ومن أجل ذلك أمر الله عبده ورسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهدي الأنبياء قبله كما قال في سورة الأنعام بعد أن ذكر نوحًا، وابراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وداود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، ويونس، ولوطًا. قال تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرًا إن هو إلا ذكرى للعالمين} (الأنعام:90)
فهذه الآيات قد تدل بظاهرها على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما دام أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر باتباع هدي الأنبياء قبله؛ ولكن جاءت آيات تبين لنا أن الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم قد نزلت له شريعة خاصة، وأنه مأمور باتباعها فقط، وأنه لا يجوز له أن يلتفت إلى غيرها، ومن ذلك قوله تعالى في سورة المائدة: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} (المائدة:48)
وهذه الآية نص صريح واضح أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أمة خاصة لها تشريع خاص ومنهاج خاص وأنها مأمورة باتباع هذه الشريعة والمنهاج فقط، وأنه لا يجوز لها أن تنظر إلى غيره مما عند أهل الكتاب.
مذاهب العلماء في هذا الأصل وبيان الحق من غيره:
(1) أجمعت الأمة على أن ما كان شرعًا لأهل الكتاب قبلنا أو في الشرائع السابقة قبل اليهود والنصارى، وجاء في شريعتنا ما ينسخه ويبطله فليس لنا قطعًا. كقتل التائب من الشرك، وعدم مساكنة الحائض، وقرض النجاسة بالمقراض، والجمع بين الأختين تحت رجل في وقت واحد، وذلك بناء على قوله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا* ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} (البقرة:286)
وقد ثبت في البخاري أن الله سبحانه وتعالى قال: (قد فعلت) ، وهذا يعني أن ما ثبت في شرعنا أنه من شرع من سبقنا، ولكن جاء نسخه في شرعنا فلا يجوز لنا التقييد به إجماعًا.
(2) ما كان من شرع من قبلنا وثبت في شرعنا فنحن مأمورون به، وهذا لا شك أنه من شرعنا، وذلك كحكم الرجم الثابت في التوراة والذي عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم والقصاص في القتل، ونحو ذلك مما ثبت في شرعنا أنه كان من شريعة من قبلنا وجاء الأمر الشرعي بأن نعمل به في شريعتنا، وهذه قضية مجمع عليها أيضًا، ولا خلاف فيها.
(3) ما أثبته الله عز وجل والرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان من شرع من قبلنا، ولكن لم يأمرنا به الله ولا رسوله فهذا للعلماء فيه قولان: