والأصل في هذا النوع هو العمل بالعموم حتى يعلم دليل التخصيص، لأن العموم هو ظاهر اللفظ، والتخصيص هنا هو المعنى الآخر الخفي المؤول.
الأصل في كل كلام أنه يحمل على ظاهره، ولا يتحول عن هذا (الظاهر) إلى المعنى (المؤول) إلا إذا تعذر الحمل على هذا الظاهر، أو كانت هناك قرينة واضحة أو نص تصرفه عن هذا الظاهر.
والخلاف في هذا الأصل قد أدى بأقوام كثيرين إلى الضلال والزيغ، والإلحاد في أسماء الله تعالى وصفاته كما فعلته الفرق الكلامية فإن أصل بدعتهم هو صرف كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم في أبواب الأسماء والصفات عن ظاهرها بحجة أن الظاهر غير مراد، أو إن إثبات الظاهر تجسيم لله، ووصف له بصفات المخلوقين، ولذلك نفوا عنه المجيء والاستواء والعلو، والمحبة، والرضا، والغضب، والوجه، واليد، والكلام، وغلا عن هؤلاء غلاة الجهمية فنفوا تعدد الصفات، وقالوا السمع هو البصر، هو الحياة، هو الذات ..
وغلا فوق هؤلاء أناس فقالوا لا موجود ولا غير موجود، فنفوا الصفة وضدها كذلك، وكل هؤلاء كان معتمدهم هو ما سموه (تأويل) النص وصرفه عن ظاهره .. ومحل بيان هذا هو كتب التوحيد وأصول الدين.
واعلم أن التأويل في اصطلاح أهل الأصول على ثلاثة مراتب:
(1) تأويل صحيح يؤيده الدليل.
(2) تأويل فاسد أو تأويل بعيد.
(3) تأويل لعب وزندقة.
* فأما التأويل الصحيح فهو الذي يؤيده الدليل وتقوم القرينة عليه.
* وأما التأويل الفاسد أو البعيد كتأويل من فسر من الفقهاء قوله صلى الله عليه وسلم [أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل] (رواه أبو داود(2083) والترمذي (1102) وحسنه الألباني في إرواء الغليل (1840 ) )
وأن هذا خاص (بالمكاتبة) وهذا تأويل بعيد لأن لفظ المرأة عام، وتخصيصه بالمكاتبة هنا لا دليل عليه، والولي أعم من السيد، ولفظ (أي) من صيغ العموم، وكذلك حمل قوله صلى الله عليه وسلم: [من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له] (رواه أبو داود(2405) وصححه الألباني في الإرواء (914 ) ) على النذر والقضاء فقط، لأن اللفظ عام ويدخل فيه رمضان دخولًا أوليًا ولا شك.