جِئْتنِي بِجِهَامِ [1] قَدْ أَرَاقَ مَاءَهُ، فَهُوَ يَرْعُدُ وَيَبْرُقُ لَيْسَ فيهِ شَيْءٌ، فَلَمْ يَزَلْ حَتّى نَقَضَ الْعَهْدَ الّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَدَخَلَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، وَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ، وَشَرَطَ كَعْبٌ عَلَى حُيَيّ أَنّهُمْ إنْ لَمْ يَظْفَرُوا بِمُحَمّدٍِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَجِيءَ حَتَّى يَدْخُلَ مَعَهُمْ فِي حِصْنِهِمْ فَيُصِيبُهُ مَا يُصِيبُهُمْ فَشَرَطَ ذَلِكَ وَوَفَى لَهُ، وَبَلَغَ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْخَبَرُ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ السَّعْدَيْنِ - سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ - وَخَوَّات بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَبْد اللّهِ بْن رَوَاحَةَ لِيَتَعَرّفُوا الْخَبَرَ، فَلَمّا دَنَوْا مَعَهُمْ وَجَدُوهُمْ عَلَى أَخْبَثِ مَا يَكُونُ، وَجَاهَرُوهُمْ بِالسّبِّ، وَنَالُوا مِنْ رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَانْصَرَفُوا وَلَحَّنُوا لِرَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَحْنًا، [2] فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -"اللّهُ أَكْبَرُ أَبْشِرُوا، يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ".
وَاشْتَدّ الْبَلَاءُ وَنَجَمَ النّفَاقُ، وَاسْتَأْذَنَ بَعْضُ بَنِي حَارِثَةَ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الذّهَابِ إلَى المَدِينَة، وَقَالُوا كما أخبر القرآن عنهم {إِنّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلّا فِرَارًا} (الأحزاب: 13) ، وَأَقَامَ الْمُشْرِكُونَ مُحَاصِرِينَ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - شَهْرًا. [3]
وذاقَ المسلمون من صنوف المحن وضُروبِ البلاءِ والكربِ ألوانًا، حتى فرَّج الله كربَهُمْ ونصرَهم على عدوِّهم وردَّهم بغيظِهِم وحسرتِهِم دون أن ينالوا من جندِ الحقِّ شيئا.
(1) - الجَهامُ: السحابُ لا ماءَ فيه.
(2) - أي لمَّحُوا لهُ بِغَدْرِهِمْ وَنَقْضِهِمْ.
(3) - يراجع: السيرة النبوية لابن هشام 3/ 298 والبداية والنهاية لابن كثير 4/ 105، والطبقات الكبرى لابن سعد 2/ 65 والمغازي للواقدي 2/ 445.