من هذه الأحداثِ المنصرمة: رصيدًا زاخرًا، وكتابا مسطورًا ومشاهدَ حيَّةً وصورًا نابضةً.
يقولُ صاحبُ الظلال:"كانت هذه الشخصيةُ تنضجُ وتنمو، وتتضحُ سماتُها. وكانت الجماعةُ المسلمةُ التي تتكونُ من تلكَ الشخصياتِ تبرزُ إلى الوجودِ بمقوماتِها الخاصةِ، وَقِيَمِهَا الأصيلة. وطابِعِها المميزِ بين سائرِ الجماعات."
وكانت الأحداثُ تشتدُّ على الجماعِة الناشئةِ حتى لتبلغ أحيانًا درجة الفتنة، وكانت فتنةً كفتنةِ الذهبِ، تفصلُ بين الجوهرِ الأصيل والزَّبَدِ الزائف؛ وتكشفُ عن حقائق النفوس ومعادنها.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبَّان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصوِّرُ الأحداثَ، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشفُ المواقفُ والمشاعرُ، والنوايا والضمائرُ، ثم يخاطبُ القلوبَ وهي مكشوفةٌ في النورِ، عاريةٌ من كل رداء وستار؛ ويلمس فيها مواضعَ التأَثُّرِ والاستجابةِ؛ ويربِّيها يومًا بعد يوم، وحادثًا بعد حادثٍ؛ ويُرَتِّبُ تأثُّرَاتِهَا واستجاباتِها وفقَ منهجِهِ الذي يريدُ.
أخذهم اللهُ بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات؛ لأن هذه الخليقة البشرية لا تُصاغ صياغةً سليمة، ولا تنضج نضجًا صحيحًا، ولا تصِحُّ وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تُحْفَرُ في القلوبِ، وتُنْقَشُ في الأعصابِ؛ وتأخذُ من النفوسِ وتعطِي في معتركِ الحياةِ، أما القرآنُ فيتنزلُ ليكشفَ لهذه النفوسِ عن حقيقةِ ما يقعُ ودلالتِهِ؛ وليُوَجِّهَ تلك القلوبَ وهي منصهرةٌ بنار الفتنةِ، ساخنةً بحرارةِ الابتلاءِ، قابلةً للطَّرْقِ، مطاوعةً للصياغة!" [1] ."
(1) - في ظلال القرآن 6/ 49، 50 بتصرف.