يأتي النصُّ القرآنيُّ مُعالجا للحدث التاريخيِّ، مع إبرازِ الدروسِ والعبر التي تظلُّ مناراتٍ وبصائرَ للأمة تقتبسُ منها ما يُصلحهُا في حاضرِها ومستقبلِها.
فَمِنْ سردِ الأحداثِ إلى استخلاصِ العِبرِ ومعالجةِ القصورِ والخلل، والإشادةِ بمواقف البطولةِ والرجولةِ، والتدرُّجِ بالأمةِ إلى أعلى مراتبِ الرُّقيِّ والنُّهوضِ، وبيانِ معيَّةِ اللهِ لعبادِهِ المؤمنينَ ولطفِه بهم وهم في خضمِّ الفتنِ.
تدورُ تلك الآياتُ الكريمةِ التي نزلت إثرَ غزوةٍ من الغزواتِ الكبرى، احتشدت فيها جيوشُ الكفرِ وتحالفتْ جموعُ البغي من اليهودِ والمشركين والمنافقين فردَّ الله كيدهم وشتت شملهم وردهم بغيظِهم خائبينَ.
ولسوف تلمسُ معي أيُّها القارئُ الكريمُ: كيف يستوعبُ النصُّ القرآني كثيرا من المعاني، فضلا عن تنوع القراءاتِ التي يتنوعُ بها المعنى ويتشعبُ، فترى الإيجازَ بأبهى صُورِه والبلاغةَ بأروعِ أساليبها، تتدفَّقُ من ثنايا النصوصِ وتتألق من سَنَا التعبيرات القرآنيةِ الجامعةِ.
تقرأُ النصَّ القرآني: فتلقَى فيه ثراءً ووفاءً بالمعنى المرادِ: كأنَّك ترى صُوَرًا وحقائقَ ماثلةً، ومشاهدَ حيَّةً، فهو رسالةُ كلِّ العصورِ وخطابٌ صالح لجميع الأجيالٍ؛ ولا غرو فهو المعجزة الخالدة والرسالة المتجددة والنبع الفياض والنهرُ المُطَّرِد والبحر الزاخر الذي لا ساحلَ له: وصدقَ المولى عز وجل إذ يقول في سورة الكهف { ? ? ? ? ? ? ? ? ? } .
وحول هذا المعنى يُدندِنُ أمير الشعراء، فيقولُ:
جاءَ النبيُّون بالآياتِ فانصرمتْ ... وجئتَنَا بكتابٍ غيرِ مُنصرمِ