الصفحة 9 من 69

آياتُهُ كلمَا طَالَ المدَى جُدُدٌ ... يَزِينُهُنَّ جمالُ العِتْقِ والقِدَمِ

كالدُّرِ يزدادُ حُسنًا وَهْوَ منتظمٌ ... وليسَ ينقُصُ حسنًا غيرَ مُنتظمِ

فكلَّما أمعنْتَ النظرَ وأطلتَ التدبُّر وأجلْتَ الفِكرَ: وجدتَ نفسَك أمام معنى جديدٍ، غير الذي سبق إِلى فهمك أولَ مرَّةٍ، وكذلك حتى ترى للجملةِ الواحدةِ أو للكلمةِ الواحدةِ وُجوهًا عدة، كُلُّهَا يحتملُها النصُّ وتستوعبُهَا العبارةُ القرآنيةُ، كأنما هي دُرَّةٌ يتيمةٌ تُبهِر الأبصارَ كلَّما نظرتَ إليها من أيِّ ناحيةٍ وجدتَ حسنًا وجمالًا، وروعةً وبهاءً، ولمعةً وضياءً، أو كروضةٍ غَنَّاء في واحةٍ فيحاء قدْ هبَّتْ نسائمُها، فتمايلَتْ أغصانُها، وتضَوَّعَتْ رياحينُها، وغرَّدتْ أطيارُها، وتبسمتْ أزهارُها، وتضاحكتْ جداولُها، وتفتَّقتْ ثمارُها، وَأينعَتْ قِطافُها: إنها رياضُ القرآن الكريمِ، وواحةُ الذِّكر الحكيم، وحديقةُ الفرقانِ التي أبدع أميرُ الشعراء حين صاغَها في بيتين ما أروعَهُما:

وحديقةُ الفرقانِ ضاحكةُ الرُّبَا ... بالتُّرجُمانِ شَذِيَّةٌ غَنَّاءُ

والوحيُ يقْطُرُ سَلْسَلا من سَلْسَلٍ ... واللَّوْحُ والقلمُ البديعُ رَوَاءُ

والقرآن الكريمُ بوجهٍ عامٍ إنَّما يُعْنَى في عرضهِ للأحداثِ باستخلاصِ العبرِ والعِظَاتِ، وتربيةِ الأفراد والجماعاتِ، وتقويمِ السلوك المعوَجِّ، وتشخيصِ الداء، ووصفِ الدواءِ، وهدايةِ الحائرينَ، وإرشادِ السالكينَ، وبيان عواملِ النصرِ ومُقوِّماتِ التمكينِ أمَّا تفاصيلُ الأحداثِ وتعيينِ الأماكن والأشخاصِ فلقد عُنيتْ به كتبُ السيرةِ وغيرِها، وإنَّما الذي يعنينا في هذا البحث هو تحليلُ الآياتِ، وتنزيلها على الواقع ن واستخلاص الدروس والعبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت