وخلق كل شيء فقدره تقديرًا قادر على أن يعلمك القراءة، كما علم آدم الأسماء كلّها، وكما علّم أباك إبراهيم وسواه من الأنبياء والرسل. فاقرأ باسمه وعلى اسمه ومعه وفي ذلك تنبيه من بداية الأمر على انفصاله - صلى الله عليه وآله وسلم - عن قومه الذين كانوا يبدؤون أفعالهم مستعينين باللات والعزَّى ومناة الثالثة الأخرى، وكلّها أوثان يصنعونها بأنفسهم، ولا تصنعهم، ويخلقونها ولا تخلقهم.
كما أن في قوله تعالى:"خلق * خلق الإنسان من علق"تنبيهًا إلى وجوب قراءة الخلق قراءة تبدأ بقراءة الذات الإنسانية من بداية الخلق إلى نهاية الحياة بأطوارها كلها. فمنهج القراءة في الخلق ينطلق من قراءة النفس باتجاه الكون والآفاق. فتلك هي القراءة السليمة المنهجية. والبدء بتوحيد الربوبية، لا بتوحيد الألوهية، فيه تنبيه إلى خطوة منهجية أخرى، هي الانطلاق من المحسوس باتجاه المجرَّد، لأن الإنسان أقدر على ملاحظة المحسوس منه على ملاحظة المجرَّد وإدراكه. فالخلق، وبدائع صنعه، ونظمه وسننه وقوانينه هي المحسوس المشاهد أو المدرك بأية وسيلة من وسائل الإدراك. والمجرّد هو"التوحيد"بأنواعه، فهو ما يتوصل بصحيح النظر في ذلك المحسوس إليه. فإدراك المحسوس ليس نهاية المطاف، بل هو المقدمة لإدراك المجرّد. وهنا يمكن أن يدرك الإنسان"فعل الغيب"في الواقع: فيصل إلى الربط الضروريّ بين الغيب بكل مكوناته، والإنسان والكون.
الأمر الأول بالقراءة - إذاًَ: هو أمر بقراءةٍ [1] باسم الله أو على اسمه -تعالى- ومعه، لهذا الوحي النازل الذي سيتتابع نزوله حتى يتم قرآنًا كريمًا مجيدًا مكنونًا مفصَّل الآيات، محكمًا مترابطًا متماسكًا متناسبًا متشابهًا تتلوه يا محمد على
(1) راجع تفسير الرازي فقد ضَّعف ما ذهب إليه جل المفسرين من القول بزيادة"الباء"في"باسم ربك"ورجح أن الباء ليست زائدة وذكر لها ثلاثة أوجه (31/ 13 - 14) ط دار الفكر. وانظر التحرير والتنوير (20/ 436) وذكر أن"الباء"للاستعانة أو المصاحبة أو بمعنى"على"، وذلك قريب مما ذكر الفخر. ومثله في روح المعاني للألوسي (29/ 179) ط مكتبة دار التراث - القاهرة بدون تاريخ. وقال الطباطبائي في الميزان:"إن الباء للملابسة" (20/ 323)