فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 53

ومنجزاته تختلف عن تجربتنا، فلو كان القرآن لاهوتًا لما جازت فيه إلا قراءة البعد الواحد، أي القراءة الأولى فقط، وقد أمرنا بقراءتين، فنحن لم نصارع العلم، ولم نقابله بالرفض وقتل العلماء، لأننا ندرك أن الوحي في الكون الكتابي هو الوحي الذي في الكون الطبيعي، ولكل منهما أسلوب ومنهج قراءة يخصه، فإذا ظهرت انحرافات أسندت إلى العلم، فالمطلوب منا هو: تطهير العلم منها، وإذا ظهرت انحرافات في التفسير والتأويل، فيجب حماية النص منها. وهذا أساس"الجمع بين القراءتين". إذ لم يكن الدين من قبل يواجه سوى فكر عقلي وضعيّ مجرد ولم يكن مسلحًا بالعلم التطبيقي المعاصر ونتائجه التي أدت إلى قيام مذهبيات تجاوزت الوضعية التقليدية، فالمطلوب منا - كما أمرنا - استرجاع أو استرداد العلم من هذه المذهبيّات وتطهيره وإعادة توظيفه، وتنقية علوم ومعارف خدمة النص مما ألحق بها أو أضيف إليها، لتستقيم القراءة وتتحقق إمكانات"الجمع بين القراءتين".

هذه المهمة - المتمثلة في بيان وإبراز منهجية القرآن المعرفية مهمة عالمية: تهم العالم كله، ويحتاجها العالم كله، وإن تصورها البعض مهمة في إطار الخصوصية الجغرافية والبشرية الإسلامية، فنحن - في عصرنا هذا - جزء متفاعل مع عالم اليوم، لا بغزوه الثقافي، فذاك أمر كان سائدًا في القرنين - الثامن والتاسع عشر، ولكن تفاعلنا مع عالم اليوم يتم بغزو العلم التجريبي التطبيقي الذي يتطلب منا جهدًا في بيان"منهجية القرآن المعرفية"يعادل جهد أسلافنا الكرام في مواجهة الغزو الفكري الذي دق أبوابنا مع الثورة الفرنسية، إذ كنا نواجه وقتها حالة عقلية مجردة، وبإمكانيات الوضعية العقلية المحدودة، أما الآن فإن المواجهة مع عقل علمي تجريبي فرض نفسه، وأعاد صياغة العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية كلها بمرجعية تجريبية، فإما أن نتحول إلى موقف الدفاع اللاهوتيّ العاجز - ومنا من يفعل ذلك - وإما أن نتحول إلى العمل على اختراق النسق الحضاري والثقافي المعاصر برؤية قرآنية كونية وجامعة!! فهذه العلوم التجريبية - كافة - لا زالت تتعثر في انطلاقاتها،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت