فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 53

وحده - دون استنارة بهداية الوحي. أو أهملت الكون والتجارب البشريّة وعبر التاريخ ودروسه، وقراءة الوحي المنزل على قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم وآله وسلم. بحجة الاكتفاء بالوحي والاستغراق فيه. فمن أراد أن يقرأ الوحي بدقة وتدبر فإنه لا غنى له عن قراءة الكون وما فيه بالنظر في خبرات الأمم السابقة وتجاربها، ومعرفة الحضارات الغابرة وكيف سادت ثم بادت أو اندثرت. فلقد اعتنى القرآن به عناية فائقة، ولفت الأنظار إلى ذلك في سور عديدة، وآيات كثيرة، لما في ذلك من عبر ودروس وعظات تجعل السالف قادرًا على إفادة الخالف مهما طال الأمد فيما بينهما. وتجعل الخالف يرى نتائج أفعال من سبقوه فيدرك أن أفعاله - أيضًا - سيكون لها من الآثار مثل ما لأفعال من سبقوه إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر. وفي ذلك تكريس لمبدأ"المسؤولية الفردية، والأثر الجماعي أو المجتمعي"فيتعلم الإنسان بذلك كيفية الانضباط في أفعاله وتصرفاته، ويتهيَّأ عقله ونفسه لقبول"مبدأ الجزاء والعقاب والثواب"ويتعلم النظر فيما يرث عن الآباء نظر الفاحص الناقد المعتبر فيتخلص من هيمنة مبدأ"الآبائية"وتقليدها ومتابعتها على الحق وعلى الباطل، ويدرك كذلك أنّ للأمم التي خلت ما كسبت، ولنا ما نكسب ولا يغني أحد عن أحد من الله شيئًا.

فهما - إذًا - كتابان تجب قراءتهما - معًا - للخروج من إسار الأمية بكل أشكالها ومعانيها: كتاب منزل متلو معجز وهو القرآن، وكتاب مخلوق مفتوح وهو هذا الخلق والكون والتجارب البشرية فيه، ومنه التعامل مع الإنسان نفسه، فهو جزء من الخلق وابن شرعيٌّ للطبيعة: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} (طه: 55) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت