مقيدة إلى الجزئيّ ولم تأخذ بعدًا كونّيًا كليًّا يحتويها، والبعد الكوني كامن في الوحي القرآن: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ 40/ 56} لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (غافر: 56 - 57) .
ومع كون المهمة عالمية يتأكد - أيضًا - كونها قرآنية محضة، فأمام التدافع الديني، وإفلاس الأنساق الحضارية العالمية، وختم النبوة وبروز الأزمات الفكرية والمعرفية عالميًا ومحليًا، يتصدى القرآن وحده لخوض معركة شاملة باعتباره كتاب وحي مطلق، ليستمر في عطائه وكرمه بعد أن لم يعد لدى الآخرين ما يقدمونه، فهي معركة اختبار لنا في مدى فهمنا لمنهجية القرآن وقدرتنا على إصلاح وتسديد المسيرة الحضارية به، وإخراج مختلف مناهج العلوم من أزماتها عبر"الجمع بين القراءتين"، فالعلوم المعاصرة قد بلغت اليوم مراحل متقدمة جدًا في معرفة وإدراك الظواهر، فلم تعد الظواهر كما فهمها جمهرة المتقدمين أو تمثلها العالم القديم - تلك الظواهر الشاخصة والمجسدة أمام العين الناظرة، فالحواس التي كانت هي وسيلة التعقل أفسحت المجال الآن لحواس مجهرية والكترونيَّة أعطت مفاهيم جديدة للظاهرة، فإذا فهم الأقدمون الذرة باعتبارها حبة رمل أو تراب مرئية - فإن الذرة اليوم ذرة مجهرية قد تحول معناها مما يبصر إلى ما لا يبصر: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ 69/ 38} وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (الحاقة: 38 - 39) . وصارت تفجر وتحول إلى طاقة، وهنا نفهم دقة القرآن المجيد وحكمته في قوله: { ... إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ} (لقمان: 16) .
وحيث فهم الأقدمون الأطوار التاريخيَّة فهمًا تعاقبيًّا تكراريًّا قائمًا على"كر الجديدين"الليل والنهار، فإن الأطوار اليوم تتمثل في صيرورة وتغيُّرات كيفيَّة لا مجرد تغيُّرات كميَّة فقط، وهذا هو الذي يوضح المراد بالسببيَّة العلمية المعاصرة التي تقوم على صيرورة وتحولات كيفيّة بالدرجة الأولى.