فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 53

الفادحة. لكنّ ذلك خداع للنفس، وزخرف من القول فالعمران الربّانيّ تحكمه قيم الحق والخير والجمال معًا، فإن وقعت بعض الأعراض الجانبيّة أمكن احتواؤها وتلافي آثارها بتوفيق الله وهدايته؛ لأنّ العمران المهتدي لا ينفك عن"المرجعيَّة الإلهيّة للكون".

أما إهمال القراءة الثانية في الكون والطبيعة المسخَّرة، أي إهمال قراءة الوجود والكون والاقتصار على قراءة الوحي وحده منقطعًا منبتًا عن الوجود، فإنََّه يؤدي إلى نفور من الدنيا، واستقذار لها ولما فيها، يشل طاقات الإنسان العمرانيَّة والحضاريَّة، ويعطِّله عن أداء مهام الخلافة والأمانة والعمران، ويحول بينه وبين التمتُّع بنعمة التسخير. ويعطل فكره، وينقص من قيمة فعله، بل قد يلغي إدراكه لفعله فلا يرى الإنسان نفسه فاعلًا في شيء، ولا يرى لوجوده في الحياة معنى عمرانيًّا، وكل هذه الأفكار منافية تمامًا لمنهج القرآن العظيم.

كما أن تجاوز القراءة الثانية في الكون وإهمالها، أو عدم جمعها مع الأولى يؤدي إلى ظهور العجز الإنساني الحضاري، وتعطّل طاقات الإنسان، وإلى خلط عجيب بين قضايا عالم الغيب وعالم الشهادة كما تقدم.

وقد يتوهم المقتصرون على القراءة الأولى - قراءة الوحي منفردًا - أن تنزيه البارئ - جل شأنه - لا يتم إلا إذا ألغيت قيمة الفعل الإنساني. ونفيت إرادة الإنسان واختياره. واستلب استلابًا لاهوتيًا كهنوتيًا من دوره، واقتنع بأنه مسيَّر في كل شيء. وبذلك ينتهي دوره الاستخلافي العمراني، وتستحيل قدراته إلى عجز مطلق. وقد يستغرق في المحرمات معتذرًا عن ذلك بأنه مسيَّر. وتلك صفة من صفات أهل الشرك [1] .

(1) إشارة إلى قوله تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ} (الأنعام: 148) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت