وهذه القراءة تكون ابتداءً من الإنسان، فهو الذي لابد له من قراءتهما - معًا - لتوجد لديه المعرفة العمرانيَّة الكاملة التي تمكن الإنسان من الوفاء بالعهد والقيام بمهام الاستخلاف، وأداء حق الأمانة، والقيام بمقتضيات العمران. والنجاح في اختبار البلاء. وهي معرفة لا تقوم على التلقي والتلقين وحدهما، بل على الأخذ عن الغير- أيضًا - من سابقين ولاحقين بالمراجعة والمطالعة وقراءة الكتب وكتابتها وتناقل الخبرات والمعارف بين البشر وعدم الزهد في المعرفة من أي وعاء خرجت، والتعامل المنهجي معها.
وفي ذلك تنبيه على"وحدة البشرية وضرورة استفادة اللاحق بميزات السابق من المعرفة والخبرات والتجارب، والتواصل معها، واستعمال القلم - الذي علم الله به، وجعله وسيلة للمعرفة وتبادلها وإنمائها وتناقلها، ثم ما يمن الله - تعالى - به من معارف تنقدح بها العقول من مستنبطات ومخترعات وغير ذلك مما يندرج تحت قول الله تعالى: {عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} فهناك - إذًا - مصدران للمعرفة الإنسانية - لن نمل التأكيد على ترابطهما - يتضافران في توصيل الإنسان إلى معارف الشهود الحضاري، والقيام بمهام العمران والاستخلاف في هذا الكون، ولابد للإنسان من الجمع بينهما، وعدم الغفلة عن أي منهما، فيفهم القرآن العظيم ومدلولاته بالخلق وبالوجود والسنن والقوانين الضابطة لحركته وحركة ما فيه، ويفهم الكون ويهتدى في أداء مهام الخلافة فيه والعمران، والقيام بمقتضيات الأمانة بالقرآن المجيد ونور هدايته. ولابد من قراءة المصدرين- معًا-، وتنفيذ الأمر بالقراءتين سويًّا: قراءة الوحي النازل المتمثل في الكتاب الكريم الذي حدَّد غاية الحق من الخلق وبيَّن تلك السنن والقوانين الضابطة لحركة الوجود. إضافة إلى ما اشتمل عليه من الشرعة والمنهاج. والحقائق الأساسية التي تحتاجها البشرية. وقراءة في الكون وآفاقه والنفس البشريَّة وما يصلحها أو يفسدها. والفطرة، وما ينميها، وما يطمس عليها."