للكون مداخل للقراءة، كما كان للوحي مداخل للقراءة. ومداخل"قراءة الكون"متعددة كذلك، منها:
هذا المدخل يقتضي الإيمان التام واليقين الخالص بأن الكون - كلَّه - مخلوق لله - تعالى - عن إرادته صدر، وبكلماته تكَّون، وبتقديره تشيّأ: فصار شيئًا مذكورًا.
وأنَّه - سبحانه - ما خلقه إلا بالحق، وأن كل شيء فيه بقدر ومقدار، وتقدير محدَّد، وأنه سائر إلى غاية معَّينة، فلا مجال للقول بالمصادفة أو العبث أو العدم أو اللاغاية!! وأنَّ كل شيء فيه له علة، كما أنَّ له غاية. والقيام بمهمة الاستخلاف، والوفاء بالعهد الإلهي، والقيام بحق الأمانة، والنجاح في اختبار الابتلاء، والخروج من عهدة التكليف، كل أولئك أمور يتوقف القيام بها على إدراك هذه الأمور، والوعي بها وعيًا يجعل منها آيات للحق - تبارك وتعالى - موصِّلة إليه، منبِّهة إلى صفات الكمال التي يتصف بها، موجهة للإيمان به، وإدراك عظمته، وفهم حسن تدبيره وحكمته وإعجاز تقديره.
والقرآن المجيد - وهو يدعونا للنظر في الخلق والطبيعة - لا يرشح نفسه مصدرًا للعلم الطبيعي، ولكنه يوجه إلى ذلك للأخذ بيد الإنسان للوصول إلى معرفة الخالق وإدراك وحدانّيته، واليقين باتصافه بكل صفات الكمال، وتنزُّهه عن كل صفات النقصان، وفي ذلك - كله - بناء لطاقات الإنسان الإدراكية وقابليته العقلية والفكرية، واستعداداته المعرفية، وتحريك لسائر قوى الوعي فيه، وتأهيله للمهام الكبرى التي أوكلت إليه. وإذا كان الوحي يعينه على تحقيق التزكية بكونها ذات أولوية كبرى بعد التوحيد وبه ومعه، فإن النظر في الخلق والطبيعة يعينه على كسب الأهليَّة لتحقيق العمران، والنظر في الخلق والطبيعة، وهي مسخرة خاضعة لله - تعالى - وبسننه وقوانينه تتحرك أو يتشكَّل كل شيء فيها فليس الإنسان خاضعًا لها، وليس له أن يغتر بتسخيرها له فيستكبر، ويقول: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} (القصص:78) أو يحسب نفسه مقهورًا لها فيشرك، أو قاهرًا لها بنفسه فيلحد، ولكنه يراها مسخَّرة لله