فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 53

النهائية"المعلقة - التي يشيح علماء اليوم بوجوههم عن مراجعتها. فبدأت الحضارة الغربيَّة تلجأ إلى خلق الأزمات لتحافظ على توترها، لأنّه - أي: هذا التوتر - صار من أهم وسائل حمايتها من التفكك. أما أزمتنا نحن العرب والمسلمين فهي أشد وأنكى، فنحن شركاء في الأزمة العالميّة من ناحية، لأن علاقتنا بها لم تعد علاقة برَّانيَّة أو هامشيَّة - كما قد يتوهم البعض - فالحضارة المعاصرة قد نجحت من خلال غزوها الفكري والثقافي والمؤسَّسي أن تفرض علينا وعلى العالم كله منهجها ووعيها العلمي والمفاهيمي للوجود وللحركة الكونيَّة. كما فرضت على الجميع رؤيتها للتاريخ والعلم والمعرفة والحضارة والثقافة والتقدم والتخلُّف وغيرها، فما هي حقيقة"المنهجية القرآنية"التي نقترحها حلًا لأزمتنا المعرفية والفكرية وأزمة العالم معنا؟"

تبرز محددات"منهجية القرآن المعرفية"وتتحقق من قراءة الكتابين: القرآن والكون، وتؤسَّس على مقابلتهما والكشف عن التكامل والتفاعل بينهما، وإبراز المنهجية في البحث والاكتشاف انطلاقًا منهما:

الكتاب الأول: هو كتاب الوحي المقروء، ونعني به"القرآن"، لأنه وحده الكتاب الكونيّ، الذي يعادل الوجود الكونيّ وحركته ويستوعبهما بأبعاده الكونية.

والكتاب الثاني: هو كتاب الكون المتحرك الذي يتضمن ظواهر الوجود كافة. فالقرآن العظيم والكون البديع كلاهما يدل على الآخر، ويرشد إليه، ويقود إلى قواعده وسننه، فالقرآن يقود إلى الكون ويمارس دوره في الهداية فيه، ويوظفه بوجوه عديدة، لتسخير مكوناته، ولتوضيح قضاياه، وتأييد دعاواه، والكون أيضًا يقود إلى القرآن ليسقط أسئلته عليه، ويستعين به لإرشاد الإنسان إلى كيفية التعامل معه، واستثمار تسخيره، ومعرفة هذا وإدراكه والعمل بمقتضاه هو ما أطلقنا عليه"الجمع بين القراءتين": قراءة تبدو غيبية تنشأ في إطار الوحي وتنطلق باتجاه الكون. وقراءة موضوعية تنطلق من الكون وعناصره باتجاه الوحي. فقراءة الوحي بمثابة تنزُّل من الكلىّ إلى الجزئيّ، فتدرك بقدرما تتيحه القدرات البشريّة النسبيّة من الفهم لتنزلات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت