فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 53

وعلى التالي الذي يريد أن يبلغ في تلاوته مستوى"حق التلاوة": أن يدخل إلى رحاب القرآن، وهو على يقين من أنه سوف يجد فيه كل ما يريد إذا نزَّله على قلبه وتلاه حق التلاوة، ورتَّله ترتيلًا، وتدبره وتعقله وتفكر بما فيه وتذكره.

ومن قرأ سورة من القرآن، أو نجمًا من نجومه أو آية من آياته فقد فتح لبصيرته نافذة الفرقان على آفاقه الرحبة الواسعة.

أما من قرأه، ووقف معه بكليَّته وفي إطار وحدته البنائيَّة من حيث هو واحد كل أو مجموع كان في حقه فرقانًا. والفرقان معنى جليل واسع يفرق الإنسان به بين الخير والشر والحق والباطل والصواب والخطأ، فتكون لدى القارئ التالي المتدبر قدرة أو ملكة أو حاسة تمكنه من التمييز في ذلك - كله - وتقييم أقواله وأفعاله وحركاته وخطراته وأفكاره ونواياه وجل تصرفاته بذلك الفرقان. وعندما يحدث للإنسان ذلك يقال له:"استفت قلبك وإن افتاك المفتون وأفتوك"فالقرآن يكون بمثابة"النموذج المعرفي الكلي"للإنسان القارئ التالي المتدبر للقرآن في كليته. وفي هذا الإطار يستطيع أن نفهم تشديد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - على أصحابه بأن لا يكتبوا عنه شيئًا إلا القرآن. وتأكيده عليهم: بأن من كتب شيئًا غير القرآن فعليه أن يمحوه [1] .

(1) إنّ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- لم يقتصر على الأمر بعدم بتدوين الأحاديث والأخبار والسنن، بل جاوز - صلى الله عليه وآله وسلم - ذلك إلي النهي الواضح الصريح عن كتابتها، بل والأمر بمحو ما كتب منها. وكذلك فعل أصحابه من بعده، وبخاصة الشيخان أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - حيث شدّدا في النهي عن التحديث. ومن جاءهم بحديث فإنهما كانا يصران على أن يأتي بمن يعزز ما روى ويشهد بأنَّه سمع ذلك معه من في رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم - مما جعل جمهرة الصحابة يعرضون عن التحديث والرواية. ولذلك فإنّنا نجد كثيرًا من الأمور المتكرّرة حين رويت جاءت متنوعة، مختلفة الروايات، مع كثرة تكرراها، وإمكان نقلها بالتواتر مثل ألفاظ الأذان والإقامة والبسملة والحيعلة:"حيّ على الصلاة"أو"حيّ على خير العمل". والإقبال الذي حصل بعد الأمر بجمع السنن من عبد العزيز سنة (83) هـ ثم من ابنه عمر بن العزيز- رضي الله عنه- سنة (99) هـ إنما حصل لأن عمر بن عبد العزيز رأى في جمع السنن ووضعها بين أيدي المسلمين بديلًا عن الاختلاف في الفقه، فإن عنصر الإلزام بالمروى عنه عليه الصلاة والسلام أقوى من الإلتزام بفقه الفقهاء. وذلك أكثر تأثيرًا في جمع الكلمة، وتقليل الاختلاف.

أما لماذا نهى رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم - عن تدوين أي شيء غير القرآن، وتبعه صاحباه الشيخان في ذلك، فذلك لكي يبني عقول الناس ونفوسهم وقلوبهم أولًا بالقرآن-وحده- فيصبح القرآن مستقرًا فيها، عنه تنبثق نماذجهم المعرفيَّة، ومنه ينطلقون في بناء مناهجهم العلميَّة، فيصبحون قادرين على قياس كل مصدر كليّ أو جزئيّ، وكل نوع من أنواع المعرفة إليه، ومحاكمته إلى الرؤية القرآنيّة ونقده وتنقيته بمقتضاها وفقًا لها. إضافة إلى تقرير وترسيخ"حاكميَّة القرآن"في قلوبهم وعقولهم. ولم يكن السبب ما ذكره البعض من"خوف الاشتباه والتداخل بين القرآن والأحاديث المروية"، فذلك أمر مستبعد جدًا أن يقع فيه= =العرب وهم أهل البلاغة والفصاحة الذين يدركون الفجوة الواسعة بين آيات الكتاب الكريم وأي شيء سواه بما في ذلك أحاديث أفصح من نطق بالضاد عيه الصلاة والسلام- ورسول الله صلى الله عيه وآله وسلم- لا ينطق عن الهوى، فما دام قد فعل ذلك ونهى عن كتابة غير القرآن، فذلك يعني أنه لم يفعل ذلك إلا لحكمة بالغة علمها الله، وأوحاها إليه - صلى الله عليه وآله وسلّم - أو توقيف مباشر، وإلا فالعرب لا يخفى عليهم الفرق بين اللفظ القرآني وسواه، مهما كانت درجة بلاغته وفصاحته.

كما أنّ القرآن المجيد يحوي أصول السنن، وتستدعي آياته السنن ولا عكس. وقد نص الإمام الشافعي على ذلك بقوله:"في الفقرة 40، 41، 42، 43، 44، 45، 46، وفي 48"توج ما قاله في تلك الفقرات بقوله: فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها. (مقدمة الرسالة 17 - 20) .

كما أن العلماء بعد الأجيال الثلاثة قد تساهلوا، خاصة في"جيل الرواية"بنقل السنن بالمعنى، لأن القرآن يصدق عليها ويهيمن مثل تصديقه وهيمنته على تراث النبيِّين من قبل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- كافة فليس هناك كبير خوف من تصرف بعض الرواة بالألفاظ ونقلها بمقتضى فهمهم لها، فإن وراءها مصفاتين دقيقتين: أولاهما: أن يكون للمروي أصل في القرآن وفي اللغة. والثانية: أن تكون مما يصدّق القرآن عليه ويهيمن، وبذلك يمكن تصحيح ما قد يخطئ فيه فهم الراوي، سواء أكان ذلك بسبب مستوى قدرته على الفهم والاستيعاب، أم بسبب لغويّ، أم بسبب القراءة لمعاني الحديث وأسباب وروده أم أي مؤثر آخر.

والكتابة وسيلة توثيق دقيقة (ولا شك ولا يضير العرب الذين فضلوا المحفوظ على المقروء ذلك) ، وهي أدق من الحفظ في الذاكرة وإذا طرأ على الكتابة تصحيف أو ما إليه، فذلك مما يمكن تداركه وتصحيحه، وليس كذلك الخطأ في الذاكرة إذا استقر، وجرى تداوله شفاهًا.

وهذا الذي نقوله يوضح أن النهي النبوي عن كتابة السنن لم يكن لبيان عدم حجيَّتها كما يذهب إلى ذلك المستشرقون والمنازعون في الاحتجاج بالسنن، ومنهم أولئك الذين يطلقون على أنفسهم لقبًا لا يستحقونه فيسمُّون أنفسهم"بالقرآنيين"، وما هم"بقرآنييِّن"فلو أنهم كانوا"قرآنييِّن"لما وسعهم نفي"حجيَّة السنَّة"الثابتة بصريح القرآن المجيد. ولأدركوا أن النزاع الذي نشب في جيل الرواية واشتد في جيل الفقه لم يكن نزاعًا في"ذات الحجيَّة"إذ الحجية أمر معلوم من الدين بالضرورة، ولكن النزاع وقع في حجية"الإخبار بالسنَّة"الذي هو الإسناد"فالإخبار بالسنة"هو ما يمكن أن يوصف بالقطع والظن، والحجيَّة وعدمها، ويرد- بمقتضى الحكم عليه وبنقد المتن - الحديث أو يقبل. أما السنّة الثابت صدورها عنه - صلى الله عليه وآله وسلم- فلا نزاع في حجيتها بين المؤمنين.

كما أن ما قررناه مستفاد من المنهج الذي نزل القرآن الكريم به، حيث تنزل القرآن - كما هو معروف - نجومًا استغرق نزولها اثنين وعشرين عامًا وخمسة أشهر واثنين وعشرين يومًا من حياة رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم -، وقال جل شأنه في ذلك: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا} (الإسراء: 106) .

وقد اعترض المشركون على هذا المنهج في التنزيل، وسجل القرآن اعتراضهم على هذا، وناقشهم فيه وبين الحكمة التي خفيت عليهم في تنزيله بذلك المنهج، فقال جل شأنه: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} (الفرقان: 32) . وللحكمة ذاتها: -تثبيت الأفئدة =

=بالقرآن أراد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- أن تنشغل عقول وقلوب المسلمين بالقرآن وحده - حتى تثبت به عقولهم وقلوبهم، وتستقر به نفوسهم، وتخالط بشاشته أفئدتهم وضمائرهم، ولا يزاحم آياته في انفعالهم به أي شيء آخر. وبذلك كان القرآن لذلك الرعيل عقلًا يفكرون به، ونفسًا يحيون بها، ووجدانًا تتشكل به عواطفهم ومشاعرهم، وأعينًا يبصرون بها كل ما حولهم، ومنهجًا ضابطًا لحركات العقول والنفوس والتصرفات يعصم الإنسان عن الوقوع في الخطأ فيها، وإذا مس الشيطان شيئًا من ذلك تذكروا فإذا هم مبصرون للحقيقة أو لوجه الصواب فيها. والأحاديث والآثار التي وردت في النهي عن كتابة السنن ومناقشتها من وجهة نظر الأشاعرة تجدها في كتاب شيخنا عبد الغني عبد الخالق"حجية السنّة" (390 وما بعدها) وكذلك في كتاب د. محمد عجّاج الخطيب"السنّة قبل التدوين"طبع مكتبة وهبة للطباعة والنشر في القاهرة/ الطبعة الرابعة/ 1425 هـ- 2004/ الباب الرابع من الكتاب"متى دون الحديث"؟ (ص 293 - 381) حيث جمع المؤلف- جزاه الله خيرًا- ما يتعلق بالتدوين وناقش مختلف الآراء والأقوال الواردة في ذلك. وقد نتفق مع المؤلف في جل ما تناوله وقد نختلف في بعض الاستنتاجات معه، لكن يبقى ما أورده مما لا يستغنى الباحثون في هذا المجال عنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت