هذا المدخل من مداخل قراءة الكون لا يبعد كثيرًا عن"مدخل الخلق"، وإذا كان مدخل الخلق يقودنا إلى النظر في الخلق كيف"بدأ الله الخلق"، وإدراك الغاية منه وسيرورته وما سينتهي إليه: فإن مدخل"العناية"يؤدي بنا إلى النظر في نظام الكون الدقيق، واكتشاف بدائع الصنع الإلهي فيه، والقوانين والسنن التي لا تبديل لها، ويوضّح في الوقت نفسه الرعاية الإلهية للإنسان بهذه العناية. وهذا النوع من النظر يربّي في الإنسان العقل، ويدرِّبه على النظر العقليّ في كل ما حوله، ويعلمه كيف يدرك المقاصد والكليَّات والحكم والغايات من مداركها وبوسائلها، فيؤمن بربه، ويثق في نفسه. ويدرك أن الكون ليس مركَّبًا من عناصر مشتّتة، أو أجزاء منفصلة، بل يراها في ترابطها الدقيق، وانتظامها المتماسك. فذلك هو الذي يعود على الإنسان"بالرؤية الكلية"للكون والإنسان والحياة. ولقد أجهد الفلاسفة والمدارس الفلسفية أنفسهم عبر التاريخ، وما يزال الكثيرون منهم يسعون إلى معرفة المنهج أو الكيفية التي يمكن بمقتضاها إرجاع سائر عناصر الكون إلى أصل واحد. والوصول إلى منهج أو نظام معرفيّ أو نموذج معرفيّ يمكَّن من تفسير الظواهر الكونيّة والطبيعيّة به بشكل عام شامل. إذ لا شك أن كثيرًا من الظواهر الطبيعيَّة ما يزال العلماء الماديُّون - خاصَّة - يتخبَّطون في تفسيرها، ويقلّبون أفئدتهم وأبصارهم فيها، فلا تعود عليهم بالكثير. ولعل السبب الأول لذلك يكمن في عدم إلتفات هؤلاء العلماء الماديِّين إلى ما وراء تلك الظواهر من نظام دقيق، وعناية إلهية فائقة، فتنحصر أنظارهم في الظواهر الحسِّيَّة - التي تجعلهم مقيَّدين"بالجدل بين عناصر الطبيعة الماديَّة". أما لطف التدبير، ووحدة نظامه فإنه لا يُدرَكُ إذا لم يؤمن العالِم الباحث بوجود المدبِّر الواحد، وعنايته وحكمته، ومطلق قدرته، فذلك هو الذي يعصم الباحث من التيه، والوقوع في الخطأ. ويضرب الله - تبارك وتعالى - للبشرية مثلًا بأبي الأنبياء إبراهيم - عليه السلام - حيث نظر في مجموعة من الظواهر والموجودات الكونيَّة باحثًا متأملًا ليحدد موقع كل من تلك الظواهر منه من ناحية، ويحدِّد لنفسه موقفًا منها يقول الله - تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ 6/ 76} فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن