ولقد يسر الله إنجاز مدارسات لسور أربع، هي: الفاتحة، والفرقان، ويس، والحجرات. وقد جاء اختيار هذه السور لحكمة تربوية، وموافقات ربانية، ذكرناها مفصلة بمحلها من التمهيد، الذي قدمناه بين يدي المدارسات - في القسم الثاني من هذا الكتاب - حيث شرحنا المصطلحات المفتاحية، التي اعتمدناها في جميع المدارسات بصورة ثابتة.
هذا، وقد جعلنا سيماء هذا الكتاب بعنوان مركزي هو: (مجالس القرآن) ، ثم ذيلناه بعنوان هامشي هو: (مُدارَساتٌ في رسَالاتِ الْهُدَى من التَّلَقِّي إلى البَلاَغ) ؛ وذلك لبيان أن"المجالس القرآنية"- على ما شرحنا من أوصاف وشروط - هي القضية المركزية في تجديد الاتصال بالوحي، والتلقي للهدى الرباني، وأنها المسلك الذي عليه الرهان اليوم - كما كان قديما - للخروج بالأمة من هذا النفق المظلم الذي تتخبط فيه! فمجالس القرآن هي سفينة النجاة إلى بَرِّ الأمان إن شاء الله. فهي وسيلة وغاية في ذاتها ككثير من العبادات في الإسلام، غايةٌ يُعبد الله بها ابتداءً، ووسيلةٌ إلى إصلاح النفس والمجتمع؛ ولذلك فقد اجتمع فيها الخير كله. وبما أنها هي جوهر هذا المشروع الدعوي الذي نقدمه في هذا الكتاب؛ فقد جعلناها عنوانَه الرئيسَ وسِيمَاءَهُ الكبرى. وأما العنوان التابع فهو لبيان أن طبيعة هذه المجالس عبارةٌ عن مُدَارَسَاتٍ في رسالات القرآن، التي هي رسالات الهدى الرباني. فالتدارس هو سبيل الربانية، كما في قوله تعالى: (وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ) (آل عمران:79) . والربانية عندما تصبح سِمَةً غالبة في المجتمع فتلك هي العلامة الكبرى على تحوله الجذري، وارتقائه من جديد إلى مقام"الخيرية"الشاهدة على الناس! (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ!) (آل عمران: 110) .
ولا يكون ذلك كله إلا بتداول القرآن العظيم في المجتمع عبر مجالسه الموصوفة، بما تتضمنه من خطوات منهجية؛ تلاوةً وتزكيةً