حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ) (غافر:6) . ومِثْلُ هذا في القرآن كثير لمن شاء أن يتتبعه. فكل ذلك ونحوه مما تضمن ضميمة (كلمة ربك) دال على معاني الخلق والإنشاء والتكوين والتصيير، وسائر أفعال القضاء والقدر الإلهيين. وليست"الكلمة"قولًا يقال لمجرد القول وكفى! بل هي إنجاز حتمي لا يتخلف توقيعه أبدا! فمتى قيلت"الكلمة"- بهذا السياق - كان معناه أنها فُعِلَتْ! ومن هنا لم تخرج"كلمة الله"عموما عن معنى فعل الله جل وعلا، وهو سبحانه وتعالى لا يخلف القول ولا الميعاد.
ومثال الثاني قول الله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا) (البقرة:31) . فالأسماء - مهما اختلف في تفسير معناها - فإنه لا اختلاف في أنها"كلام"بالمعنى الشرعي والوجودي للكلمة! ولا يمكن أبدا أن تتصور"الأسماء"على أنها لغو أو عبث! فهي أساس الناطقية التي فُطِرَ عليها الإنسان، والتي تشكل جوهرا أساسيا من ماهيته الوجودية، ووظيفته الكونية، والتي كانت - بعد ذلك - أساس الاستخلاف له في الأرض! ومثلها قوله تعالى: (خَلَقَ الإِنسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (الرحمن:3 - 4) . ومن هنا كانت مسؤوليته عما يتكلم به كبيرة جدا! وهي مسؤولية لا تخرج عن عموم الأمانة التي أنيطت بالإنسان في قول الله جل وعلا: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا!) (الأحزاب:72) . فالكلام البشري كله محصي عليه كَلِمَةً كَلِمَةً! يستوي في ذلك إنشاؤه وخبره؛ لأنه كله يوزن بميزان التحقيق بين الصدق والكذب!
وعليه؛ فتعريف البلاغيين"الخبر"في الدرس البلاغي بأنه: (ما احتمل الصدق والكذب) - بزعمهم - تعريف غير مانع أبدا! بالمعنى الوجودي لكلمة (خبر) ، لا بالمعنى اللغوي العادي! فتعاريف البلاغيين راجعة إلى موازين المنطق الأرسطي الصوري، وقد عُلِمَ ما فيه من خلل