منهجي في تحديد المفاهيم والتصورات! إذ هو قائم على تحديد الماهيات بحدود عقليات خاضعة لمنطق العقل المجرد عن معطيات الوحي! ولا يمكن لمثل تلك الموازين إلا أن تكون"صورية"فعلا كما عبروا هم أنفسهم! فإلى أي حد تطابق الصورة الحقيقة؟ تلك هي المشكلة! ومن هنا فحد (الخبر) عندهم هو وإن جمع المقصود فإنه لا يمنع دخول غيره فيه، أي معنى"الإنشاء"، أرأيت لو أن شخصا نادى غيره، أو أمَرَهُ، أو نهاه، وهو لا يقصد ذلك؛ ألا يكون كاذبا؟ بلى والله! فإنما الكذب مخالفة العبارة لمقتضى الواقع، وهذا منه؛ لأن المنادي، أو الداعي، أو النادب، أو المستغيث، أو الآمر، أو الناهي .. إلى آخر ما صنفوه في معنى الإنشاء؛ كل ذلك إذا لم يصادف إرادة في نفس المتكلم وقصدًا فهو كذبٌ محض! فالإنشاء إذن بهذا - المعنى الوجودي - يحتمل الصدق والكذب أيضا. وهل يتوجع المتوجع لغير وَجَع؟ وهل يستغيث المستغيث لغير فَزَع؟ فإن قصد به معنى آخر من مجاز وغيره، كان ذلك المعنى الجديد المعدول إليه هو أساس الصدق والكذب بعد ذلك! وإنما العبرة بالخطاب قصدُ المتكلم وإرادتُه! فلا شيء من الإنشاء إلا وهو يحتمل الصدق والكذب أيضا!
وأزعم أنه لا شيء من الكلام الطبيعي للإنسان إلا وهو يحتملهما! ومن هنا قول الله تعالى الجامع لكل ذلك: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ!) (ق:17) . وقوله تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا!) (الكهف:49) . ويدخل في ذلك قطعا كل ما تلفظوا به من قول، كما ستراه بدليله بحول الله تعالى [1] .
(1) قوله تعالى: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) هو من العام الذي أريد به الخصوص، إذ عُلِمَ في الدين أن القول غير المبني على قصد لا يدخل في دائرة المحصي على ابن آدم، ولذلك فالقول المقصود هنا هو الكلام المفيد قصدًا ومعنىً.