ولذلك فقد نال اللسان الحظ الأوفر في الاعتبار في أحكام الشريعة؛ فكانت العقود كلها - سواء كانت عقود الإيمان والإسلام، من بيعة شرعية، أو تعهد ومعاهدة، أو نكاح أو طلاق، أو كانت من المصارفات المالية من بيوع، وإجارات، وأكرية، وغير ذلك مما يمكن أن يتصوره الذهن - كلها إنما هي عند التحقيق"كلام"! وليست مجرد لعب أو لهو من الأقوال! لأنها قائمة على معنى"مفيد"، أي مقصود مراد للمتخاطبين؛ بما فيها من إيجاب وقبول، وما جرى مجراهما من معاني التراضي والإقرار. ومن هنا قول الله تعالى في محكم كتابه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامنوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة:1) . وقوله سبحانه في سياق بيان أن الإنسان محاسب على كل ما يصدر منه من الأقوال، مما أوردناه قبل قليل: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق:17) . وفي الحديث: (وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم - أو قال: على مناخرهم - إلا حَصَائِدُ ألسنتهم؟!) [1] وقوله صلى الله عليه وسلم أيضا: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا؛ يرفعه الله بها درجات. وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا؛ يهوي بها في جهنم!) [2] . ومن ثَمَّ لم يكن جِدُّ رسول الله ولا مزاحه صلى الله عليه وسلم إلا حقا وصدقا! ولم يكن فيه كذب قط! حاشاه! عليه الصلاة والسلام.
إن الكلام مؤثر جدا في إنتاج الفعل الإنساني بل هو عين الفعل الإنساني! ولا شيء من فعله إلا وهو حاصل بالكلام مباشرةً، أو نتيجةً، أو توجيها، أو تفاعلا! وإنما بدء التكليف الإلهي للإنسان كَلِمَةٌ، وآخرُه كَلِمَة! منذ قال له: (كُن فَيَكُون) ، إلى أن علَّمَهُ (الأسماءَ كلَّها) إلى أن أنزل عليه (كلامه) : القرآن الكريم!
(1) جزء حديث رواه أحمد وأصحاب السنن إلا أبا داود، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(2) رواه البخاري.