فهرس الكتاب
أيها القصر! أين الكوكب الزاهر، الذي كان ينتقل في أبراجك؟ أين النسر الطائر الذي كان يحلق في أجوائك؟ أين الملك القادر، الذي كان يطلع كان يطلع شمسا في صباحك، ويدار في مسائك؟ أين الإعلام والبنود تخنق في شرفاتك، والقواد، والجنود تخطر في عرصاتك؟ أين الشفاه التي كانت تلثم ترابك، والأفواه التي كانت تقبل أعتابك، والرءوس التي كانت تطرق لهيبتك، والقلوب التي كانت تخنق لروعتك؟
أين الصوت الذي كان يجلجل، فيقرع آذان الجوزاء، ويهدر؛ فتتلفت عيون السماء، أين الفلك الذي كان يدور بالسعد، والنحس، والنعيم، والبؤس، والرفع، والخفض، والإبرام، والنقص؟ كيف استطاع الدهر أن يمد يده إلى شمالك؛ فيبدده، وجمعك، فيفرقه، وسمائك، فيكور شموسها، وأرضك؛ فيزعج أنيسها؟ أين كانت أسوارك، وأبوابك، وحراسك، وحجابك، وكيف عجزت أن تمتنع على القضاء، وتصد عن نفسك عادية البلاء؟
ولم أر مثل القصر إذ ريع سربه ... وإذ ذعرت أطلاؤه، وجآذره
تحمل عنه ساكنوه وهتكت ... على عجل أستاره، وستائره
أيها السجن! حلّ بأرجائك اليوم ملك تضيق به الدنيا، فكيف وسعته؟!! وتعجز عن احتماله قلل الجبال الرواسي، فكيف احتملته؟!! رفقا به، ولا تزعجه، ولا تحرج صدره، وضم جناحيك عليه كما تضم على القلب حنايا الضلوع، واعطف عليه عطف المرضعات على الرضيع، وارحم هذا الجلال الذهاب،