فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 248

النص الثالث

المقامة الأتوبيسية - لصلاح الدين عبد الله

قال أحمد الخياط: حشرت في حافلة مع زمرة سافلة، والتجئنا شدة الزحام ... إلى التلاصق والالتحام، وكنت أجبر على دور الموصِّل بين أصحاب التذاكر والمحصل، فأعتدل وألتوي، وأنتشر وأنطوي .. وكان يتضاعف على الركوب ندمى كلما أحسست بهرس قدمي، وقبالتي رجل ممتلئ يميل ويكاد يسقط سقطة برميل! يرتسم على وجهه عبوس الجائر، وتنبعث من بدنه رائحة السجائر، وكان يفتح فاه ولا يواربه .. فكأنما أطلت من فمه جواربه، فجعلت الناس بينه وبيني .. وتحولت عنه بعيني، فإذا امرأتان شديدتا التجهم .. لم تسمعا بشيء اسمه التفهم، ودلني ما أنا عليه من الفراسة أنهما على قدر من الشراسة .. ففي وجه كلتيهما يتفقا القيظ وكلتاهما تنظر إلى الأخرى بغيط، وفاجأنا السائق بضرب"فرملة"فصرخوا كعروس أصبحت أرملة ومالت إحدى المرأتين على الأخرى، فكأنك من شاهق دحرجت صخرا، فانخلعت المصابة من السمر وقال لصاحبتها"قد مات والله من اختشى أمخلوقة أنت من"النشا"! يا رائحة الأقدام وحكما بالإعدام وحبلا من مسد، وسمكا قد فسد، يا ضلال الضائع وقمامة البضائع يا عديمة الصفة وربيبة الأرصفة لو كنت عصى أعمى لانكفأ .. ولو كنت زيت قنديل لانطفأ، ولو كنت مبني لكنت تربا .. ولو كنت على الجلد لكنت جربا، ولو مررت بالشياطين [1] في رمضان لأطلقت ولو اقتربت من باب ... الجنة لأغلقت. استقيمي يا مائلة ولا تكوني كالماء سائلة. فقالت لها الأخرى وقد امتلأت فخرا: نعم نعم يا شر من زعم أسكبت عليك (البوتاس) ! أم أطلقت عليك الرصاص! أم لسعتك بأسياخ محمية! أن سقطت على جسم من عجمية!، انظري يا شوهاء في المرايا لتعلمي أنك اقبح البرايا!، فوجهك بوابة الشؤم، وقلبك مستودع اللؤم، فلو كنت في الوجوه لكنت بقعة، ولو كنت في الثياب لكنت رقعة، ولو كنت خلية لكنت عفنًا، ولو كنت قماشًا لكنت كفنًا، ولو ألقيت في عسل لتمسخ، ولو لمع بك حذاء لتوسخ، يا مذاق الجير. وحرارة الهجير. ونزول الوباء وصاعقة الكهرباء، يا جرحا يسيل يا ماء الغسيل، أما والله يا حافية لأعدمنك العافية، واشتبكتا بأكفٍ كالفئوس، فانتثر فيما بينهما شعر الرءوس، وتضاربتا بكل يد وساق، وتراشقتا بقذائف البصاق، فغسلنا وجهي رغم أنفي، وأنا ذاهل لا أثبت ولا أنفي! [2] ولحقتهما جروح في الوجه والجسم، فنزلنا مع شرطي إلى القسم، ثم صعدت من محطة الجيزة فتاة عظيمة العجيزة لم تدع في وجهها موضعا إلا زينته ولا في ذراعيها مكانا إلا بينته .. قد جعل السحر يطل من سماتها .. والمسحوق يتلألأ في"

(1) كأنها أم المعاصي ورأس الذنوب.

(2) لا أعترض ولا أؤيد أي لا يتدخل بالصلح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت