النص الثاني
الجغرافيا عند المسلمين وارتباطها بالتاريخ - للدكتورة: سيدة إسماعيل كشاف [1]
ارتبطت كتابة التاريخ عند المسلمين منذ البداية بعلم تقويم البلدان أو الجغرافية. إذ وصفوا المدن والبلاد وذكروا طرقها وشعبها وحاصلاتها وأجواءها قبل أن يتأثروا بعلوم اليونان. ولعل من أهم الأسباب التي دفعت المسلمين إلى العناية بعلم تقويم البلدان هو معرفة البلاد التي فتحها العرب زمن الخلفاء الراشدين والأمويين وذلك لتنظيم الجزية والخراج.
كذلك كان المسلمون يرحلون إلى الأنحاء المختلفة في العالم الإسلامي يطلبون العلم ويجمعون الحديث أو يدونون الأدب ومفردات اللغة من عرب البوادي أو يقومون بالوظائف الدينية والإدارية المختلفة من قبل الخليفة أو الأمير. كذلك عن المسلمون بعلم تقويم البلدان عناية خاصة لحاجاتهم إلى معرفة الطرق إلى مكة وذلك للقيام بفريضة الحج. وهذا بالإضافة إلى عناية العرب بالتجارة، ونحن نعرف أن العرب كانت لهم منذ العصور القديمة تجارة واسعة بين الشرق والغرب وقد اشتهرت اليمن بوجه خاص في ميدان التجارة، كما كان أهل الحجاز من أشهر تجارب العرب.
وكان كتاب بطليموس الجغرافي هو الأساس الذي نسج على منواله العرب حين بدءوا في نقل الجغرافية اليونانية إلى لغتهم. ولم يكتف العرب بالنقل وإنما توسعوا في هذا العلم وأخذوا يتجولون في أنحاء البلاد المختلفة كما ذكرنا واستطاعوا بذلك أن يصححوا كثير من أخطاء اليونانيين.
وقد اشتملت الكتب التي ألفها المسلمون على معلومات كثيرة حول المدن الإسلامية من أواسط أسيا إلى الأندلس، وكان الجغرافيون المسلمون يرون أن البلاد الإسلامية تقع في المنطقة المعتدلة بين المنطقة الحارة والباردة، ولما كانت هذه المنطقة في نظرهم أفضل المناطق لحياة الإنسان لذلك اعتبروا أنها أكثر أقسام العالم حضارة.
وقد ترجمت جغرافية بطليموس إلى العربية على يد يعقوب ابن اسحق الكندي قبل سنة 246 هـ (860 م) وينتسب يعقوب إلى ملوك كندة، ونزل جده بالبصرة ثم انتقل إلى بغداد.
(1) (*) الدكتورة: سيدة إسماعيل كاشف: أستاذة التاريخ الإسلامي بكلية الفتيات جامعة عين شمس لها عدد من المؤلفات من أهمها مصر في عصر الولاة. الوليد بن عبد الملك، والمقال مأخوذ من كتاب مصادر التاريخ الإسلامي ومناهج البحث فيه.