هي الأمثال وقال قتادة هي العقوبات وقال قوم إنما معنى المثل المثال الذي يحذي عليه كأنه جعله مقياسا لغيره وهو راجع إلى ما قدمت وقال بعضهم في المثل ثلاث خلال: إيجاز اللفظ وإصابة المعنى وحسن التشبيه وقد يكون المثل بمعنى الصفة، من ذلك قول الله تعالى (مثل الجنة التي وعد المتقون) أي صفة الجنة وقوله (وله المثل الأعلى في السموات والأرض) أي الصفة العليا وهي قولنا (لا إله إلا الله) وقوله تعالى (ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه) في صفتهم.
كان العرب على حق حين عَّرفوا الشعر بأنه الكلام الجيد الموزون المقفى الدال على معنى، وبالرغم من كل ما قيل حول هذا التعريف القديم فإنه يبقى التعريف الوحيد الصالح للتفرقة - شكليا - على الأقل - بين الشعر والنثر، لأنه يلفت إلى عنصر فارق بين الفنين ألا وهو عنصر الموسيقا الذي يعنون به صفتي"الوزن والقافية".
من التعريف السابق فالموسيقا كما حددها رائد هذا العلم في العربية الخليل بن أحمد الفراهيدي هي النغم والإيقاع الذي ينبعث من النص الشعري عند القراءة الصحيحة له، وهي التي تقوم بالدور السحري في نظم الألفاظ على طريقة خاصة تجعلها قادرة على حمل الإيحاء والدلالة من خلال الصورة الشعرية في بناء خاص لا يلتبس بالنثر ولا يتشابه معه، وهذه الطريقة الخاصة التي يتمتع بها الشعراء ويتميزون بها على غيرهم من الكتاب هي في الأصل جزء حميم من موهبة الشعر التي اختصوا بها منذ البداية، حيث تسقط حاستهم الموسيقية وتنمو بنمو موهبتهم فيصبحون أكثر الناس التقاطا للتناغم والانسجام من جملة ما يستمعون -أو يقرؤون- من أصوات اللغة سواء في مستواها العام (لغة الحياة) ... أو في مستواها الفني"لغة الأدب"المعبر بالفن عن الحياة ..
ومن ثم فإن الشعراء -بما منحتهم الموهبة من استعداد موسيقي- أول من يستطيعون التمييز بين الأسلوب اللغوي المنسجم الذي نسميه"الشعر"وذلك يفتقد إلى الانسجام الإيقاعي والنغمي الذي نسميه"النثر"ويلي الشعراء في هذه القدرة على التمييز بين شعر الحياة ونثرها، منظومها ومبعثرها أصحاب الذوق الفني الرفيع من محبي الجمال، وكلا الفريقين من الشعراء ومتذوقي الجمال يدرك الموسيقا،"أن تحس ذلك دون للجوء إلى قواعد".
لأن هذه القواعد يحتاج إليها من الناس مَنْ يريد أن يتعرف على الموسيقا كآلة ضابطة للغة الشعر، يعرض عليها النص الذي يريد ليتأكد من مدى انتظامه موسيقيا، أو من مدى اضطرابه، قياسيا على هذه القواعد التي استقيت أصلا من موروث الشعر العربي الذي انكب عليه الخليل بن أحمد متأملا ودارسا زمنا