فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 248

قسماتها، واستعملتن من عطرها المحترم ما لو زادته لأسكر الهرم .. ونصبت للركاب حبالة الأوهام .. ورشقتهم بما لديها من سهام، فتركتهم بين مراهق يتحرق ويتنهد، وعفيفٍ يستغفر ويتشهد .. إلى أن اختلف إليها ذو سمتٍ مخصوص كأنه عود قصب ممصوص وخاف أن يرى الزحام قد أبعدها فقام من مكانة وأقعدها .. فنظرت بسحر إليه وركزت عينيها عليه، فذاب صاحبنا من الاختلاط كأنه"موز"ضرب في الخلاط ثم أخذت تذكرة وتنسيه وتقول بعد أخذ التذكرة"مرسيه"وتبدي من أمرها نشرًا بعد طي، ثم قامت بحركة جهنمية وهمست همسة"هندرستمية" [1] فأخذ صاحبنا يتحايك ويتحايل ويعتدل ويتمايل، ويتقسم ويتعوج ويضطري ويتموج، ثم عض من شبق على الشفه ونزل ريقه فما نشفه .. فلما رأت حاله على تلك الشناعة وقسماته تهدد بنسف المناعة أمسكت عن بعض ما أظهرته وادعته، ثم نزلت بعد أن ودعته .. ولم يلبث أن صعد رجل من السوقه يحمل في يده صندوقه .. ولما كان يستحث كل سامع على التبرع لبناء جامع فقد قال وهو يذرف الدمع الهتون كأنه"المسيح على جبل الزيتون: أيها الحائر بين المال والنسوة، الجاعل إبليس لك أسوة، المغرق قلبك في بحار القسوة .. حان والله غرق الفلك .. وأشرف أمرك على الهلك .. فأين أنت من مالك الملك؟ .. كم ذا تدنس بالحرام حلالك وكل إثم في الدنيا حلالكم .. وتنفق مسامعك ولا تفيض مدامعك .. كأنك أمنت خفوت صوتك أو ضمنت تأجيل موتك .. يوم ترى وقد أوحش منك ناديك، ولم يعد في الأرض من يناديك يوم ترى وقد ضعفت ناصرك بعد أن انحلت عناصرك ويئس راجيك وسائلك بعد أن تقطعت وسائلك وكثر شاكيك ولائمك بعد أن انفضت ولائمك [2] ، وتعاظمت بالموت كوارثك وتهلل من بعدك وارثك الله الله هل طال في الدنيا انتعاشك إلا ليطول في الآخرة وارتعاشك!! وهل ارتفع في ظل غناؤك [3] إلا ليشتد في الحر عناؤك .. إلى كم أنت بما في يدك بخيل .. وأملك في الغد كالنخيل! إلى كم أعظ ولا أكف وأدل على الخير ولا أكف [4] .. اللهم يا خالق التورع اهد القلوب إلى التبرع .. اللهم يا منزل الشفقة حبب إلى القلوب النفقة، فمازال في هذا وأشباهه حتى ظفر من كل بانتباهه، ورأيت الممصوص قد أخذته هذه المسرحية، وأمالته رياح الأريحية، فلما علا على عيبه [5] ومد يده تلقاء جيبه وأيقن بفقدان ما أدخر .. رفع عقيرته وقال يا أبناء الشيطان وبنات الأذى، يا أولاد كذا وكذا لا نصح ولا موعظة حتى تعود المحفظة، ثم ... أنشأ يقول:-"

(1) لفظة أعجمية السجع وتدل مع رقتها افتعالا مع أنها من طبقة راقية.

(2) موائد طعامك.

(3) طربك.

(4) ولا أكف الثانية بمعنى ولا أكف تعطي المال.

(5) أي لما تنز عن نقائص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت