لِكُلِّ مُغَفَّلٍ في الأرض"مُزَّةْ" [1] ... تجرعه مقالب مستفزة
وتجعله برقتها خروفا ... تَجُزَّ الصوف من جبينه جزة
وتسحبه من القرنين حتى ... يُحَزَّ الرأس بالسكين حزة
ويكتشف الذي فعلت فيبكي ... ويقفز مثلما قفز الأوزة
ثم عض على يديه ولطم خديه وصارت عروقه متجمدة بعد أن ضرب برأسه حديد الأعمدة، وبقينا في هذا الصخب لم نزل، حتى نزلت فيمن نزل .. فلما وليت ظهري الرصيف، وعبرت الشارع عبور الحصيف ألفيت الشيطانة ملتهبًا وقودها ومفتاح بن فتحية يقودها، وقبل أن ألومه على احتياله وسطوه أقبل صاحب الصندوق يسرع في خطوه، فسلم عليه وسلم الصندوق إليه، فأخذه منه أخذة المبتز، وأنشأ يقول وهو يهتز:
لكل فريسة شرك مُعَدٌ ... فسل إن شئت عن شرك الفريسة
فبعض بالمُخَلَّلِ مستمال ... وبعض الناس توقعه الهريسة
فقلت له: يا مُفَاعل التدليس ويابن ربيبة إبليس نفرك الله ولا بشرك .. ألك تحت كل رِجْل شرك، فمن لم تتصديه بالسرقة أوقعته في حبائل الصدقة، فقال: يا هذا لقد قلت حتى ثَقُلْتَ، فلا يغرينك قدم العهد والمخالطة بالتمادي في اللجاج والمغالطة، فاسمع مني ما أقول إن كنت من أرباب العقول إني عاشرت الناس رعاعا وسادة، ونسجت لكل من وهمه وسادة، فكل يريد السعادة لذاته، ويدفع المال ثمنًا لذاته، وأنا أبيع لكلٍ ما يشتهي، فلا مالهم ينفذ ولا حيلي تنتهي فأما الممصوص الذي عاينت أمره فقد دفعه الطيش لأن يذوق جمرة، فهذا هو الساعي في ذهاب خيره السارقُ مَالَه بيد غيره ولولا أنه شخص مهترئ وعلى أعراض الناس مجرئ لما ألهبت الغريزة وقوده ولا سرقت الفتاة نقوده وأما كل متبرع من السوقة فيستر بالصدقة جهله أو فسوقه لأنه لو علم دينًا أو شرعًا لكان لحقوق المساكين أرعى كلاًّ لكن من عبطه يريد مسجدًا تحت إبطه، وكأن الصلاة لا تكون تامة إن قضيت في المساجد العامة، وكيف يقودهم الذهول إلى التبرع لمجهول، وما يدرون أجامع المال ملحد أم مؤمن؟ ومصيره إلى تُقًي أم إلى مدمن؟ فلو أنهم راشدون لما تسرعوا، لولا أنهم حمقى لما تبرعوا فقلت له: أصبت والله ما كنت انحرفت، ودمعت عيناتي ثم انصرفت.
(1) مزة: أي فتاة.