ولكن سرعان ما تحول البحث في هذه القضايا إلى منحى فلسفي عميق عندما أصبحت العربية متهمة على يد بعض الفلاسفة بتكرار الألفاظ والمعنى واحد. فمثلًا يقول الرازي في كتابه"مفاتيح الغيب"روى الأنباري أن الكندي المتفلسف ركب إلى المبرد وقال: إني أجد في كلام العرب حشوًا؛ أجد العرب تقول: عبد الله قائم، ثم تقول: إن عبد الله قائم، ثم تقول: إن عبد الله لقائم. فقال المبرد: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ؛ فقولهم (عبد الله قائم) إخبار عن قيامه، وقولهم: (إن عبد الله قائم) جواب عن سؤال سائل، وقولهم (إن عبد الله لقائم) جواب عن إنكار منكر لقيامه. واحتج عبد القاهر على صحة قوله" [1] "
ودفاع المبرد هذا لابد أن يفسر على ضوء دفاع أعم وهو أن القول بوجود الحشو في اللغة سيؤدي إلى الطعن في حكمة واضع اللغة"الذي لا يأتي فيها بما لا يفيد" [2] ، وإلى إقرار وجود هذا الحشو أيضًا في النص القرآني من ناحية أخرى. وتبدو نقطة حكمة الواضع في غاية الأهمية آنذاك إذا ما نظرنا إلى هذا الاتجاه الواضح لدى فريق من علماء العربية من اعتبار اللغة توقيفًا من عند الله سبحانه وتعالى. كما أن بعض الفرق الكلامية - كالأشعرية مثلًا -
(1) - مفاتيح الغيب 1/ 127، وانظر: دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني ص 205 حيث ترد العبارة"ركب .. إلى أبى العباس مما أوجد لبسًا كان من نتيجته أن ذكر الدكتور فخر الدين قباوة في تحقيق كتاب: الجنى الداني ص 131 أنه أبو العباس ثعلب، وقد نبهني إلى نص الدكتور قباوة أستاذي الدكتور رمضان عبد التواب، وهناك في كتاب اللامات للزجاجي رأي للفراء يطابق رأى المبرد مما جعل الدكتور مازن المبارك - محقق الكتاب - ينقل في هامش الصفحة رواية الجرجاني، ولكنه لم يحدد من هو أبو العباس المذكور، انظر اللامات ص 60"
(2) - الفروق في اللغة ص 13