). ولعل ذلك يذكرنا - على الفور - بفكرة"الارتباض الجدلي"التي يشرحها الفارابي في كتابه"الحروف"فيقول:"فإن المتعلم إذا سأل عن شيء ... فإن المعلم إنما ينبغي أن يجيبه أولًا أنه كذلك، ويردف ذلك بحجة جدلية يتبين عنها ذلك الشيء، وينتظر من المتعلم أن يأتي بما يبطل ذلك الشيء ويناقض ما أورده المعلم ... فإن لم يفعل المتعلم ذلك من تلقاء نفسه بصَّره المعلم موضع العناد في ذلك الشيء، وموضع المعارضة في تلك الحجة، ثم إبطال تلك المعارضة، وإبطال ذلك الإبطال، ولا يزال ينقله من إبطال إلى إثبات، ومن إثبات إلى إبطال، إلى أن لا يبقى هناك موضع نظر ولا فحص" [1] .
ومن الملاحظ هنا أن هذه الفكرة ستجد - فيما بعد - تطبيقًا واسعًا ومسرفًا عند النحاة، وبخاصة عند السيرافي من بين نحاة هذا القرن. ومن الملاحظ كذلك أن مثل هذا النهج من الاستدلال والتحليل يعكس تحول النحو العربي نحو الالتقاء بالمنطق من حيث اعتمادهما على الحركة الذاتية الخالصة للفكر دون النظر إلى مادة خارجية تكون منطلقًا لإعطاء هذا الفكر حركة جديدة.
ولنأخذ النموذج التالي من استدلالات الزجاجي مثالًا تطبيقيًا لفكرة"الارتياض الجدلي"؛ ونعني بذلك استدلاله على أنواع الكلِم أيها أسبق في المرتبة والتقدم [2] .
(1) - الفارابي: كتاب الحروف ص 209 - 210
(2) - الزجاجي: الإيضاح ص 83 - 84