فيه من العناصر ما يلتقي مع مفهوم أرسطو للغة. لقد اعتبرت اللغة إحدى الموجودات، ولما كان لكل موجود حقيقتان: حقيقة ماهيته باعتباره وجودًا ذهنيًا معقولًا، وحقيقة وجوده في العالم الخارجي، فإن اللغة خضعت بدورها لهذه القسمة. ولقد اكتسبت الحقيقة الأولى سمه القبلية pre-existence ولم تكن الحقيقة الثانية إلا انعكاسًا، أو إخراجًا لهذا الوجود الذهني. وبالتالي اعتبرت اللغة المنطوقة رمزًا للتجربة الذهنية عند أرسطو. ولقد رأينا كيف أخذ ابن السراج عبارة أرسطو بهذا الصدد - بشكل يكاد يكون حرفيًا.
ومن ثم فإن مقارنه سريعة بين النصوص المنطقية والنصوص النحوية تؤكد التقاء الفريقين حول هذا المفهوم. ولنأخذ هنا مثلًا لذلك: الفارابي - وهو مصدر وثيق الصلة بنحاة هذا القرن. يقول الفارابي في كتاب"الحروف":
"إن الألفاظ إنما تدل أولًا على ما عليه الأمور في العقل من حيث هي معقولة" [1] .
"ويدل صنف صنف منها - أي من الألفاظ - على صنف صنف من المعقولات فتحصل الألفاظ الدالة على ما في النفس" [2] .
(1) - الفارابي: الحروف. ص 74.
(2) - السابق. ص 76.