واضح للغة التي هي صورة الفكر. لقد حاول نحاة القرن الرابع أن يشكلوا النحو العربي حسب مقومات الاتساق المنطقي بين اللغة والفكر. فالجملة النحوية ما هي إلا صورة منطقية للوجود الذهني.
وإذا كنا قد أشرنا في"التمهيد"إلى اهتمام نحاة هذا القرن بالحروف فإننا نستطيع - هنا- أن نفسر سر هذا الاهتمام في ضوء التأثير المنطقي. فالحروف هي العلاقات المنطقية بين أجزاء الجملة النحوية، وهي التي تعطي للجملة معناها العام، وتحليل الجملة النحوية هو محاولة لإدراك العلاقات المنطقية [1] التي تربط بين مكوناتها. ومن هنا كان إصرار النحاة - في هذا القرن - على وجوب تأخر الحروف في الرتبة عن الأسماء والأفعال؛ لأن وجود الموجودات الخارجية، ووضع أسماء لها، أسبق من إدراك العلاقات التي تربط بين هذه الموجودات.
كل ما نريد أن نستخلصه مما سبق أن النحو العربي - نتيجة لتفاعله مع معطيات الثقافة المنطقية - كان أكثر ربطًا للغة بالعقل الإنساني، وأكثر تركيزًا على تحصيل المعنى. ومن هنا كان سعى النحاة الدائب وراء (البنية العميقة) لعبارات اللغة؛ أي وراء دور"العقل"في العملية اللغوية، حتى أصبحت
(1) - العلاقات المنطقية = التأثير في المعنى، باصطلاح النحاة. انظر: شرح السيرافي 1/ 7.