الصفحة 245 من 261

للغة من جهة أننا في الحالتين أمام ثنائية (الدال والمدلول: محتوى اللغة المادي، ومحتوى العقل التجريدي) .

أما العنصر الثاني من عناصر هذا المفهوم النظري للغة فهو الالتفات إلى الدور الاجتماعي في نشأة اللغة. ومن الحقائق الثابتة عند أرسطو أن اللغة نشأت مواضعة واصطلاحًا، وبطبيعة الحال فقد اعتنق الفلاسفة المسلمون هذا الرأي [1] ، كما أن هذا الرأي أيضًا قد اعتنقه الجمهور الغالب من المعتزلة [2] .

ومن ثم فإن النحو العربي - في القرن الرابع - يكاد يشهد - لأول مرة- مناقشة هذه القضية بهذا الشكل الواسع. ولقد غلب القول بالتواطؤ والمواضعة على معظم نحاة هذا القرن كابن السراج والسيرافي والرماني وابن جني. ولا أدل على ذلك من تسليم هؤلاء جميعًا بوجود ظواهر الترادف والمشترك اللفظي في اللغة. كما أن مناهجهم النحوية تؤيد ذلك. فلولا أن اللغة مواضعة بشرية لما كان لهذا التوسع في"التأويل الإعرابي"محل؛ لأن ذلك سيؤدي - في محصلته الأخيرة- إلى تعدد أغراض الواضع، الأمر الذي يتنافى مع القول بأن اللغة إلهام إلهي.

ولقد كان من نتائج هذا"التأويل الإعرابي"وارتباطه بالعلل الثواني والثوالث أن أصبح النحو يتسم باتجاه تحليلي

(1) - انظر: الحروف للفارابى. ص 137، والعبارة لابن سينا. ص 2 وما بعدها.

(2) - انظر: المغنى للقاضي عبد الجبار ج 34 ص 401، ج 5/ 160 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت