وظيفة استنباط النظام القياسي في اللغة، هذه الوظيفة التي أصبحت الوظيفة الأساسية للنحو" [1] . وكان مما ترتب على القول بقياسية اللغة عند نحاة مدرسة الإسكندرية أن تحدد دور الواحد منهم في"حصر الحقائق اللغوية في مقولات شاملة، ثم وضع هذه الحقائق -قدر الإمكان- في أطر من القواعد الكلية، ثم اعتبار كل ما يخرج عن هذه القواعد الكلية أمورًا استثنائية أو شاذة عن هذا النظام القياسي" [2] . كما ترتب على هذا القول أيضًا الإيمان بوجود لغة مثالية هي التي ينبغي أن يقاس عليها؛ فكانت لهجة (أتيكا) هي هذه اللغة المثالية عند نحاة مدرسة الإسكندرية، ولذلك فإن من التعريفات التي وضعها نحاة هذه المدرسة لمصطلح (التهلين أو الهيلينسموس) هذا التعريف الذي يقول"التهلين هو الكلام الصحيح الخالي من الرطانات، والذي يمثل اللهجة الأتيكية" [3] . ومن خلال هذا التعريف أصبح ثمة نوع من الترادف بين اللغة اليونانية ولهجة أتيكا؛ ومن ثم عرِّف (الهيلينسموس) بأنه"التعبير باليونانية بشكل صحيح، والالتزام بالاستعمال المنطقي للأجناس والأعداد ... في تأليف الأفعال والأخبار والمفاعيل" [4] . ولعل إيمان النحاة السريان بلهجة (الرها) [5] يعود إلى تأثرهم الواضح بهذا التوجه لدى نحاة مدرسة الإسكندرية."
في هذا السياق التاريخي إذن نستطيع أن ننظر إلى جهود نحاة القرن الرابع الهجري. لقد كانت الثقافة العربية في علاقة تفاعل مع الثقافة المنطقية اليونانية والسريانية منذ أمد بعيد قبل هؤلاء النحاة وبين أيديهم. وستحاول الفصول القادمة أن تستجلي الدور الذي لعبه هذا التفاعل في مسيرة تطوير النحو العربي في هذا القرن الثري.
(5) 52 - انظر: أوليري: علوم اليونان وسبل انتقالها إلى العرب. ص 65