وهو يستهل كتابه بالدعاء للقارئ ولطالب العلم على غرار السلف في مؤلفاتهم وذلك بغرض تحبيب القارئ للكتاب. ثم يقول عن فضل البلاغة:"إن أحق العلوم بالتعلم، وأولاها بالتحفظ - بعد المعرفة بالله جل ثناؤه علم البلاغة، ومعرفة الفصاحة، الذي به يعرف إعجاز كتاب الله تعالى، الناطق بالحق، الهادئ إلى سبيل الرشد، المدلول به على صدق الرسالة وصحة النبوة، التي رفعت أعلام الحق، و أقامت منار الدين، وأزالت شبه الكفر ببراهينها، وهتكت حجب الشك بيقينها" [1] . فالفصاحة مدخل إلى معرفة كتاب الله تعالى، و الجهل بالبلاغة والفصاحة تؤدي إلى الجهل بإعجاز القرآن الكريم من جهة ما خصه الله تعالى به من حسن التأليف، وبراعة التركيب، وما شحنه به من الإيجاز البديع، والاختصار اللطيف، وضمنه من الحلاوة، وجلله من رونق الطلاوة، مع سهولة كلمه وجزالتها، وعذوبتها وسلاستها، إلى غير ذلك محاسنه التي عجز الخلق عنها، وتحيرت عقولهم فيها" [2] ."
فنلمس في هذه المقدمة غاية دينية يضعها العسكري في أهمية دراسة البلاغة والفصاحة، فهو"حين يرشدنا إلى الانتهال من معين البلاغة يروم هدفين: أحدهما ديني والآخر أدبي" [3] . كما أنه أشار إلى أهمية علم البلاغة في كونها السبيل إلى إدراك الجيد من القول من الرديء، والحسن من الألفاظ من سواها، ولذا نراه يقول:"ولهذا العلم فضائل مشهورة و مناقب معروفة، منها أن صاحب العربية إذا أخل بطلبه، وفرط في التماسه، ففاته فضيلته، وعلقت به رذيلة فوته، عفى على جميع محاسنه، وعمى سائر فضائله، لأنه إذالم يفرق بين كلام جيد وآخر درئ، ولفظ حسن وآخر قبيح، وشعر نادر وآخر بارد، بان جهله، وظهر نقصه" [4] .
وقد جعل الكتاب في عشرة أبواب تناول فيها معظم أبواب البلاغة، ابتدأها بالحديث عن البلاغة والفصاحة من حيث أصلهما، وتمييز الكلام جيده من رديئه والبيان عن حسن السبك، وتطرق إلى الإيجاز والإطناب والتشبيه، والسجع والازدواج، أما الباب التاسع فقد خصه للبديع بأنواعه التي
(1) - المصدر السابق نفسه.
(2) - المصدر السابق.
(3) -مجد محمد الباكير البرازي، في النقد العربي القديم (مؤسسة الرسالة -1987 م) , 253
(4) -أبو هلال العسكري , كتاب الصناعتين، تحقيق علي محمد البجاوي و محمد أبو الفضل إبراهيم ,ط 1 (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية , 1371 - 1951) ص 2