ثم يتطرق العسكري لوجود السجع والازدواج في القرآن"ولو استغنى كلام من الازدواج لكان القرآن؛ لأن نظمه خارج من كلام الخلق، وقد كثر القرآن فيه حتى حصل في أوساط الآيات فضلا عما تزاوج في الفواصل منه" [1] .
يحقق السجع التكرار في الحرف الأخير في الكلمات أواخر الجمل، وبالتالي فإنَّ الكلامَ فيه بموازاة الكلام في الشعر الذي يستند في آخره على حرف الروي. فحين ننظر في الشواهد النثرية من كلام العرب التي أوردها العسكري يتجلى ذلك بوضوح:
ففي قوله عليه الصلاة والسلام: (أيها الناس؛ أفشوا السلام , وأطعموا الطعام ,وصِلوا الأرحام, ... صلّوا بالليل والناس نيام , تدخلوا الجنة بسلام) ففي نهاية هذه العبارات الشريفة نرى تكرار حرف الميم، وهو تكرار ناتج من السجع أحدث للألفاظ جرسا موسيقيا يكون له وقع في النفس، الأمر الأخر نرى أن السجع أتى هنا سهلا منسابا غير متكلف. كما لاحظ ذلك العسكري فقال معقبا بعد أن أورد هذا الحديث وما بعده:"فكل هذا يؤذن بفضيلة السجع على شرط البراءة من التكلف والخلو من التعسف" [2] .
وجوه السجع عند أبي هلال العسكري:
أ-أن يكون الجزآن متوازنين متعادلين، لا يزيد أحدهما على الآخر , مع اتفاق الفواصل على حرف بعينه: ويمثل لهذا الوجه بقول أعرابي:"سنة جردت، وحال جهدت، وأيدي جمدت، فرحم الله من رحم، فأقرض من لا يظلم" [3] . نرى التكرار يتمثل في تكرار حرف التاء من الكلمات التالية: (جردت/ جهدت / جمدت) , أحدث هذا التكرار وقعا موسيقيا للألفاظ وجرسا صوتيا يسهم في تشكيل الدلالة التي يريد أن يظهرها هذا الأعرابي من حالة البؤس والشقاء التي تحيط به.
(1) - المصدر السابق
(2) - المصدر السابق.
(3) - المصدر نفسه ص 262