الألفاظ العربية الجميلة لأن الترجمة لن تستطيع مهما بلغت دقتها نقل جمال الألفاظ العربية، وإنما يستمتع حيث يكون النص ذا قيمة فكرية. (9)
إن النَّظْم عند عبدالقاهر ذو مستويين: مستوى فكري نفسي، ومستوى لفظي صوتي، والأول هو الذي يستدعي الثاني ويؤلفه، وليس العكس. فهو يربط بين البلاغة - باعتبارها فنًا قوليًا - وبين الفنون الجميلة الأخرى، مثل الرسم والنحت والتصوير والنقش. ويرى أن الفنان هو الذي يهب المادة الخام وجودًا جديدًا، فقد يتناول اثنان قطعة من الحجر، فيشكل واحد منهما من هذه المادة تمثالًا رائع الدقة والجمال، يكاد ينطق بالمعاني التي أودعها فيه الفنان، في حين يصنع منها الآخر مسخا مشوها لا يعبر عن شيء. وهنا تجد الفارق كبيرًا بين الصورتين مع أنهما في الأصل من مادة واحدة. وكذلك الحال بين الشاعر والشاعر الآخر في توخيهما معاني النحو ووجوهه التي هي محصول النَّظْم (10)
والعمل البلاغي الجميل في نظرية عبدالقاهر لا يمكن الفصل فيه بين الشكل والمضمون. ولا يمكن النظر فيه إلى كل جزئية على حده. ولكنه يجب النظر إليه باعتباره كلًا متماسكًا. فالنظم من النظام. فلو أخذنا مثلا جزءًا من التمثال الجميل كأنف التمثال، وفصلناه عن بقية الجسم، فإنه لا يمكن الحكم عليه بالجمال أو عدمه، إنما يحكم عليه بموضعه من التمثال وتناسقه معه.
كذلك الأمر في الفن القولي؛ فالنَّظْم أن تكون كل جزئية فيه في خدمة النظام العام. وأن تكون كل جزئية في مكانها من التعبير تقديمًا أو توسطًا أو تأخيرًا. وأن تكون هناك علة وسبب يقتضي وضع كل جزئية في مكانها، حتى لو وضعت جزئية في غير مكانها لاختل النَّظْم. وهذا لا يمكن أن تحققه الألفاظ ولا غرابة الكلمات ولا خفتها، وإنما يكون بمراعاة المعاني النحوية للكلمات، وموافقة هذه المعاني النفسية.
فالنظم إذن عند عبدالقاهر هو إدراك المعاني النحوية والملاءمة بينها وبين المعاني النفسية في نسج الكلام وتركيبه. أو بمعنى آخر: هو إدراك المعاني النحوية، واستغلال هذا الإدراك في حسن الاختيار والتأليف. (11)