الصفحة 11 من 42

وليس المقصود بالمعاني النحوية هنا المعنى الشائع للنحو، الذي هو إعراب أواخر الكلام، ونطق الكلام حسب القواعد الإعرابية. وإنما المقصود بقية القرائن النحوية من الذكر والحذف، والتقديم والتأخير، والابتداء والإخبار. فتنظر في وجوه كل باب وفروقه. فتعرف لكل حال موضعها. وتجيء بها حيث ينبغي لها، وتوضع في معناها الخاص الذي يلائم المعاني النفسية في نسج الكلام وتركيبه. فالاسم، أي اسم، قد تجيء به فاعلا مرة، وقد تجيء به مفعولا مرة أخرى، وقد تقدمه مرة ثالثة، وقد تؤخره مرة رابعة، لأنه يدل على معنى نفسي خاص في نظم الكلام وتركيبه في كل حالة. فهناك فوارق ـ مثلا ـ بين أن تقول: زيد ينطلق وينطلق زيد، وزيد المنطلق، والمنطلق زيد ... وهناك فوارق في وجوه الشرط والجزاء ـ مثلا ـ بين أن تقول: إن تخرج أخرج، وإن خرجتَ خرجتُ، وإن تخرج فأنا خارج، .. وكذلك الأمر في الحال، وفي الفاعل والمفعول .. إلخ

إذن لكي يتحقق النَّظْم لا يكتفى بالإدراك الواعي للمعاني النحوية، بل لابد من إدراك كيفية استغلال هذه المعاني في بناء العبارة ونسجها، فبناء العبارة ونسجها عند عبدالقاهر- يتطلب أمرين: الأول الاختيار والثاني التأليف. أما الاختيار فيراد به اختيار الكلمة المناسبة للمعنى النفسي لدى الأديب. وهنا ينبغي إدراك أنه حتى في المترادفات، هناك كلمة أفضل من كلمة في سياق معين، بينما الأخرى قد تكون هي الأفضل في سياق آخر. أما التأليف فيراد به وضع كل كلمة في مكانها المناسب من العبارة وفقا لمعناها النحوي؛ فوضع الكلمة موضع الابتداء يختلف عن وضعها موضع الإخبار. ومجيء الخبر مقدما يختلف عن مجيئه في موضعه مؤخرًا. ومجيء المفعول مقدمًا على الفعل والفاعل يختلف عن مجيئه في موضعه بعدهما .. وهكذا .. فالعبرة بمدى وفاء الكلمة للمعاني النفسية في نسج الكلام وتركيبه. (12)

اللغويون المحدثون:

وقد حاول الباحثون ـ على نحو ما فعل عبدالقاهر ـ بناء ماسماه بنظرية إسلامية للغة، تقوم على أساس أن اللغة عملية عقلية معقدة تتجلى في توخي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت