الصفحة 25 من 42

اللغة ملكة:

سبق أن قلنا إن دي سوسير وتشومسكي قد خالفا سكنر الذي اختصر العملية المعرفية في المثير والاستجابة - بإقرار أن هناك بنية معرفية عميقة في مرحلة العمليات، هي التي تربط بين المثيرات اللغوية وبين الاستجابات أو ردود الأفعال، وقد استحالت هذه البنية العميقة، عن طريق التجريد الفلسفي، إلى ..."غريزة"بشرية"، أو"ملكة"إنسانية"، موجودة لدى كل البشر، وأن المخ الإنساني يقوم ببناء هذه الغريزة أو الملكة على نحو ما لم يستطع أحد تفسيره حتى الآن.

وهنا نصل إلى ابن خلدون الذي قدم لنا في بداية القرن الثامن الهجري نظريته في بناء الملكة اللسانية، والذي يرى أن أهداف تعلم اللغة لا تتحقق إلا إذا اكتسب المتعلم"ملكة اللغة".

فاللغة في المتعارف - كما يقول ابن خلدون - هي"عبارة المتكلم عن مقصوده. وتلك"العبارة"فعل لساني. فلا بد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها"وهو اللسان"."

تتكون الملكة بالاستماع:

يقول ابن خلدون""فالمتكلم من العرب حين كانت ملكة اللغة العربية موجودةً فيهم يسمع كلام أهل جيله، وأساليبهم في مخاطباتهم، وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم .. فيلقنها كذلك، ثم لا يزال سماعه لذلك يتجدد في كل لحظة، ومن كل متكلم، واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة، ويكون كأحدهم، وهكذا تصيرت الألسن واللغات من جيل إلى جيل"، وأبرز مثال على ذلك أن أبناءنا يتعلمون اللهجات العامية ويستخدمونها مثلنا تماما بدون منهج أو معلم."

إذن، فالملكة اللسانية التي كان يتمتع بها العرب قديمًا لم تكن جبلة وطبعًا، وإنما حصلت لمن حصلت له نتيجة للعرف والعادة، والمعايشة المستمرة للنطق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت