الصفحة 26 من 42

الفصيح في بيئة الفرد اللغوية. فالملكة الصحيحة تتكون بتكرار الاستماع إلى اللغة الفصيحة، وممارستها كلامًا وتحدثًا.

كيف تفسد الملكة؟

كيف فسدت"الملكة"؟ يقول ابن خلدون:"فسدت هذه الملكة لمضر بمخالطتهم الأعاجم، وسبب فسادها أن الناشئ من الجيل صار يسمع في العبارة عن المقاصد كيفيات أخرى غير الكيفيات التي كانت للعرب، فيعبر بها عن مقصوده ... ويسمع كيفيات العرب أيضًا، فاختلط عليه الأمر، وأخذ من هذه وهذه، فاستحدث ملكة (ثانية) وكانت ناقصة عن الأولى. وهذا هو معنى فساد اللسان العربي. ولهذا كانت لغة قريش أفصح اللغات العربية وأصرحها لبعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم". ولذلك كان أهل صناعة العربية يحتجون بها. لكن فساد اللسان العربي استمر في عصر ابن خلدون، وازداد فسادًا واضطرابًا مع تقدم الزمن حتى عصرنا الحاضر.

كيف وضع النحو أو علم صناعة الإعراب؟

يقول ابن خلدون:"لما جاء الإسلام وفارقوا (أي المسلمون) الحجاز لطلب الملك الذي كان في الأمم والدول، وخالطوا العجم، تغيرت تلك الملكة بما ألقي إليها السمع من المخالفات التي للمستعربين - والسمع أبو الملكات اللسانية - ففسدت بما ألقى إليها مما يغايرها، لجنوحها إليه باعتياد السمع. وخشي أهل العلوم منهم أن تفسد تلك الملكة رأسًا، ويطول العهد بها، فينغلق القرآن والحديث على الفهوم، فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطردة، شبه الكليات والقواعد يقيسون عليها سائر أنواع الكلام، ويلحقون الأشباه بالأشباه، مثل أن الفاعل مرفوع، والمفعول منصوب، والمبتدأ مرفوع. ثم رأوا تغير الدلالة بتغير حركات هذه الكلمات، فاصطلحوا على تسميته إعرابًا. وتسمية الموجب لذلك التغير عاملًا، وأمثال ذلك. وصارت كلها اصطلاحات خاصة بهم. فقيدوها بالكتاب وجعلوها صناعة لهم مخصوصة، واصطلحوا على تسميتها بعلم النحو. وأول من كتب فيها أبو الأسود الدؤلي من بني كنانة. ويقال بإشارة من علي رضي"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت