هذا الإعراب لم يهدم أداء اللغة لمعناها الصحيح البليغ. بل يمكن أن يعتاض عنه بما أسماه"قرائن الكلام".
كما يقرر أن اللغة العربية على عهده"لم يفقد منها إلا دلالة الحركات على تعيين الفاعل من المفعول. فاعتاضوا عنها بالتقديم والتأخير وبقرائن تدل على خصوصيات المقاصد. لأن الألفاظ بأعيانها دالة على المعاني بأعيانها. ويبقى ما تقتضيه، ويسمى"بساط الحال"محتاجا إلى ما يدل عليه. وكل معنى لابد أن تكتنفه أحوال تخصه. فيجب أن تعتبر تلك الأحوال في تأدية المقصود، لأنها صفاته. وتلك الأحوال في جميع الألسن أكثر ما يدل عليها بألفاظ تخصها بالوضع. وأما في اللسان العربي، فإنما يدل عليها بأحوال وكيفيات في تركيب الألفاظ وتأليفها من تقديم وتأخير أو حذف أو حركة إعراب، وقد يدل عليها بالحروف غير المستقلة".
ويؤكد ابن خلدون أن البلاغة والبيان كانت ما تزال ديوان العرب ومذهبهم في عهده. وأنه لا يجب الالتفات"إلى خرفشة النحاة أهل صناعة الإعراب القاصرة مداركهم عن التحقيق. حيث يزعمون أن البلاغة لهذا العهد (عهد ابن خلدون) ذهبت. وأن اللسان العربي فسد اعتبارًا بما وقع في أواخر الكلم من فساد الإعراب الذي يتدارسون قوانينه. وهي مقالة دسها التشيع في طباعهم، وألقاها القصور في أفئدتهم". (23)
من العرض السابق لتصور ابن خلدون في تربية الملكة اللسانية يمكن استنباط ما يأتي:
أولا ً: لقد قرر ابن خلدون فكرته، وهي أن تربية الملكة اللسانية لا يضرها عدم حفظ القواعد النحوية، وفقدان الإعراب، إذ تغني عنه القرائن، وهي فكرة جريئة، لم يجرؤ أحد قبله أو بعده على القول بها على هذا النحو المتكامل. فهو - إذن - يرى أن فقدان الإعراب من لغات الأمصار في عهده - وكما هو الحال في