تتوخى في الألفاظ، من حيث هي ألفاظ ترتيبًا ونظمًا، وإنما تتوخى الترتيب في المعاني، وتعمل الفكر هناك. فإذا تم لك ذلك اتبعتها الألفاظ وقفوت بها آثارها. وإنك إذا فرغت من ترتيب المعاني في نفسك لم تحتج إلى أن تستأنف فكرًا في ترتيب الألفاظ، بل ستجدها تترتب لك بحكم أنها خدم للمعاني وتابعة لها، ولاحقة بها. وإن العلم بمواقع المعاني في النفس، علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق. (19)
على النسق نفسه تقريبًا أقام تشومكسي نظريته اللغوية على أساس أن منظومة اللغة ذاتُ بنية ثنائية. ويقصد بذلك أن الجملة اللغوية لها بنية سطحية ظاهرة هي تلك التي ننطق بها (أي الألفاظ) ، وبنية منطقية عميقة، وهي البنية التي تتشكل في مخ صاحب الجملة قبل النطق بها (أي المعاني المرتبة) ... وعملية الإخراج الصوتي هي عملية تحول هذه البنية العميقة، أي البنية الفكرية، وقد تجسدت ألفاظًا، وأصواتًا، ونبرًا وتنغيمًا، وتقديمًا وتأخيرًا، وإظهارًا، وحذفًا، وإضمارًا ... إلخ.
وهكذا نرى أن الثنائية اللغوية لدى العالمين واضحة. ولكننا نرى أن عبدالقاهر كان مبدعًا في تأكيده أن بنية اللغة إنما تبدأ في الذهن بالوقوف على المعاني وترتيبها، والعلم بمواقعها في النفس، وما يستتبع ذلك من دقة الاختيار والترتيب للألفاظ المنطوقة. وربما كان ذلك هو السبب في أن دي سوسير قد سمى الأفكار والمعاني"البنية العميقة".
لكننا ـ مع ذلك ـ نفهم من معنى"النَّظْم"أن عبدالقاهر قد جعل الثنائية تتلاشى في عنصر ثالث هو النَّظْم. وجعل البلاغة كلا متكاملًا من المعنى واللفظ معًا. وبما أن الكل أكبر من مجموع الأجزاء، فالنظم ـ إذن ـ عنصر ثالث. فالثنائية اللغوية قد تحولت على يديه إلى ثلاثية (20) .
جاء اللغوي السويسري فردينان دي سوسير في بداية القرن العشرين ليؤكد ما قاله عبدالقاهر من قبل ثمانية قرون؛ فاللغة في رأيه"نظام"من العناصر القواعدية والمعجمية المترابطة. فهي ليست تلك الظاهرة المتمثلة في التجليات السطحية من