وبناء على هذا الإرجاء والاستحالة في الوصول إلى المعنى، أطلقت التفكيكية حرية قراءة النصوص ... حتى النصوص المقدسة. فهناك عدد لا نهائي من القراءات المحتملة لكل نص، وفقا لخلفية القارئ وهدفه من وراء القراءة. وعلى هذا الأساس جاءت نظرية القراءة التي أسسها جاك دريدا، والتي استحدثت منهجًا لتفكيك النص المكتوب، والكشف عن تناقضاته الكامنة، وثغرات فكر مؤلفه، ومناوراته اللغوية. (23) .
والآن تستخدم العولمة الأسلوب التفكيكي في هجومها على الثقافات الأخرى، وخاصة الثقافة العربية الإسلامية، بقصد تقطيع أوصالها، وعزل ثوابتها عن متغيراتها، ثم إعادة بنائها على نحو جديد لخدمة أغراض المعولِمين!
ما دور النحو في الحفاظ على اللغة؟ وكيف يدرس وفقا لهذه النظرية؟
إن المدخل في تدريس اللغة ـ وفقًا لهذه النظرية ـ هو شرح النظام النحوي والصرفي (البنية العميقة) ثم الانطلاق من هذه المعاني النحوية وقواعدها إلى المهارات اللغوية الأخرى والتطبيق عليها، من خلال الألفاظ والجمل والأمثلة والشواهد والنصوص .. إلخ وهو مانسميه حاليا بالطريقة"القياسية"في تعليم اللغة العربية للناطقين بها، وطريقة"النحو والترجمة"في مجال تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.
لقد ظن البعض أن الطريقة القياسية تعود إلى عصر النهضة في البلاد الأوربية، كأثر من آثار الممارسة في اللغتين اليونانية واللاتينية. لكن التاريخ يروي لنا أن هذه الطريقة عميقة في ممارسة تعليم اللغة في التاريخ العربي الإسلامي، خاصة في كتاب سيبويه، وكتب ابن عقيل، وشذور الذهب، والأشموني وغيرها من الكتب التي تبعت الطريقة القياسية في تعليم العربية لأبنائها وطريقة النحو والترجمة في تعليم العربية لغير الناطقين بها.