الصفحة 27 من 42

الله عنه. إلى أن انتهت إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي أيام الرشيد. فهذب الصناعة، وكمل أبوابها. وأخذ عنه سيبويه فكمل تفاريعها واستكثر من أدلتها وشواهدها، ووضع فيها كتابه المشهور، الذي صار إمامًا لكل ما كتب فيها من بعد.

تربية الملكة لا يحتاج إلى النحو:

ثم يدخل ابن خلدون إلى جوهر المشكلة، ويتحدث عن صلة النحو بهذه الملكة اللسانية، فيقول عن صناعة العربية وقوانين الإعراب إنها:"علم بكيفية لا نفس كيفية"ثم يشرح الفكرة بالتفريق بين"الملكة"و"قوانين الملكة"، أي بين العلم النظري، والممارسة العملية، ويقدم تمثيلًا لذلك بمن يجيد"علم الخياطة"ولا يمارسها عملًا، أو بمن يجيد"علم التجارة"ولا يقدر على ممارستها. فإذا سألته عنها شرحها لك خطوة خطوة، ولو طالبته بتنفيذ ما شرح أو شيء منه لم يحكمه. ويؤكد ابن خلدون رأيه هذا بتمثيل آخر أقرب إلى واقع القضية وهي العلاقة بين النحو والملكة اللسانية فيقول: إن كثيرًا ممن درسوا النحو وتعمقوا أصوله وفروعه وأفنوا أعمارهم في البحث عن مسائله ومشاكله ولم يجيدوا هذه الملكة اللسانية، لا يستطيعون التعبير اللغوي الصحيح. بينما كثير من الكتاب والشعراء ممن أجادوا هذه الملكة يعبرون عما يريدون بطلاقة وسلاسة وإن لم يتعمقوا النحو وقضاياه.

يوضح ابن خلدون هذه القضية في فصل في المقدمة بعنوان:"فصل في أن ملكة هذا اللسان غير صناعة العربية ومستغنية عنها في التعليم"والسبب في ذلك أن صناعة العربية إنما هي معرفة قوانين هذه الملكة ومقاييسها خاصة، فهي علم بكيفية، لا نفس كيفية، فليست نفس الملكة، وإنما هي بمثابة من يعرف صناعة من الصنائع علمًا، ولا يحكمها عملًا. مثل أن يقول بصير بالخياطة غير محكم لملكتها - في التعبير عن بعض أنواعها: الخياطة هي أن يدخل الخيط في خرت الإبرة، ثم يغرزها في لفق الثوب مجتمعين، ويخرجها من الجانب الآخر بمقدار كذا، ثم يردها إلى حيث ابتدأت ويخرجها .. الخ، وهو إذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت