طولب أن يعمل ذلك بيده لا يحكم منه شيئا. وكذا لو سئل عالم بالنجارة عن تفصيل الخشب فيقول: هو أن تضع المنشار على رأس الخشبة، وتمسك بطرفه، وآخر قبالتك ممسك بطرفه الآخر وتتعاقبانه بينكما ... إلخ، وهو إن طولب بهذا العمل أو شيء منه لم يحكمه.
"وهكذا العلم بقوانين الإعراب مع هذه الملكة في نفسها، فإن العلم بقوانين الإعراب، إنما هو علم بكيفية العمل (وليس العمل نفسه) . وكذلك تجد كثيرًا من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية المحيطين علمًا بتلك القوانين، إذا سئل في كتابة سطرين إلى أخيه، أو ذي مودته، أو شكوى ظلامة، أو قصدًا من قصوده، أخطأ فيها عن الصواب، وأكثر من اللحن، ولم يجد تأليف الكلام لذلك، والعبارة عن المقصود على أساليب اللسان العربي، وكذا نجد كثيرًا ممن يحسن هذه الملكة، ويجيد الفنين من المنظوم والمنثور، وهو لا يحسن إعراب الفاعل من المفعول، ولا المفعول من المجرور ولا شيئًا من قوانين صناعة العربية. فمن هذا تعلم أن تلك الملكة هي غير صناعة العربية، وأنها مستغنية عنها بالجملة. (29) ."
إذن فكيف تربَّى الملكة اللغوية في رأي ابن خلدون؟
لكن المتعلم العربية الآن - كما كان الأمر في عهد ابن خلدون - لا يملك هذا المناخ اللغوي الصافي، وذلك المشرب العذب المتاح الذي كان ميسورًا لأجيال العرب قبل تسرب اللكنة وحدوث الخلط والاضطراب في اللسان العربي. بل العكس هو الصحيح. إذ يحيط به من كل جانب ما يدفعه دفعًا عن صحة اللغة وجمالها اجتماعيا وثقافيًا: استماعًا، وقراءة، وكتابة. ولم يعد في متناول يده ذلك النموذج المثالي الطيع الأصيل الذي يلفته له المجتمع فيحاكيه ويحتذيه دون تعمد! إذا كان هذا هو حال المجتمع عمومًا، فماذا نعمل على مستوى المناهج الدراسية على وجه الخصوص؟
يرى ابن خلدون أنه بعد أن انتهى العهد الذي كانت فيه تربية الملكة اللسانية طبعًا وسليقة، فإنه لا بد من اصطناع المناخ اللغوي اصطناعًا متعمدًا، واتخاذ