يرى الباحث أن"البنيوية"اسم حديث نسبيًا لطروحات قديمة. بدأها الإمام عبدالقاهر الجرجاني ـ المتوفى سنة 471 هـ ـ فيما يسمى بنظرية"النظم"التي تناولها بالتفصيل في كتابه: دلائل الإعجاز. ثم أعاد طرحها ـ بشكل أو بآخر ـ دي سوسير تحت اسم"البنيوية". ثم أعاد الحديث عنها تشومسكي في الستينات من القرن العشرين تحت اسم النظرية"التحويلية التوليدية"أو"النحو التوليدي"، الذي ظن كثير من الباحثين أنها ثورة في كيفية تعلم اللغة غير مسبوقة!
البنيوية بين عبدالقاهر
ودي سوسير وتشومسكي
نظرية النظم عند عبدالقاهر:
اهتم السابقون على الإمام عبدالقاهر الجرجاني بالألفاظ وجعلوا لها شأنا كبيرا في تحقيق بلاغة الكلام. ورفض عبدالقاهر ذلك بشدة، على اعتبار أن الألفاظ عنده تابعة للمعاني، وأنه"لا يتصور أن تعرف للفظ موضعًا من غير أن تعرف معناه، ولا أن تتوخى في الألفاظ من حيث هي ألفاظ ترتيبًا ونظمًا، وإنما تتوخى الترتيب في المعاني، وتعمل الفكر هناك، فإذا تم لك ذلك اتبعتها الألفاظ وقفوت بها آثارها. وإنك إذا فرغت من ترتيب المعاني في نفسك، لم تحتج إلى أن تستأنف فكرًا في ترتيب الألفاظ؛ بل تجدها تترتب لك بحكم أنها خدم للمعاني، وتابعة لها، ولاحقة بها. إن العلم بمواقع المعاني في النفس، علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق. (8) "
فالإعجاز في النص القرآني أو النص الأدبي البليغ عند عبدالقاهر لا يكمن في الألفاظ بالدرجة الأولى، وإنما يكمن في الأفكار. فطريقة بناء الفكرة وترتيبها وإخراجها هي أساس البلاغة. والبلاغة التي ترجع إلى الفكر أكثر من اللفظ تجعل لغتها عالمية، يستمتع بها أصحاب اللغات الأخرى حين تترجم لهم. فلن يستمتع غير العربي ـ مثلا ـ بنص عربي يترجم له، إذا كان كل ما يميزه هو مجموعة من