الوسائل التي توصل إلى إجادة الملكة اللسانية. فيقول:"ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها، أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم (العرب) القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث، وكلام السلف، ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم، وكلمات المولدين أيضًا في سائر فنونهم، حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم، ولقن العبارة عن المقاصد منهم، ثم يتصف بعد ذلك في التعبير عما في ضميره على حسب عبارتهم، وتأليف كلماتهم، وما وعاه وحفظه من أساليبهم، وترتيب ألفاظهم، فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال، ويزداد بكثرتها رسوخًا، وقوة."
ثم يربط بين كثرة المحفوظ والاستعمال وبين قوة التعبير بلاغة ونقدًا، فيقول:"وعلى قدر المحفوظ وكثرة الاستعمال تكون جودة المقول المصنوع نظمًا ونثرًا، ومن حصل على هذه الملكات فقد حصل على لغة مضر، وهو الناقد البصير بالبلاغة فيها، وهكذا يجب أن يكون تعلمها، والله يهدي من يشاء بفضله وكرمه". (30)
يقول ابن خلدون: إن"الملكات لا تحصل إلا بتكرار الأفعال، لأن الفعل يقوم أولا وتعود منه للذات صفة، ثم يتكرر فتكون حالًا، ومعنى الحال أنها صفة غير راسخة، ثم يزيد التكرار فتكون ملكة أي صفة راسخة. (31) "
كما يري أن النصوص المختارة للدراسة والحفظ يجب أن تبث في ثناياها مسائل اللغة والنحو، بحيث يتعرف الدارس من خلالها على أهم قوانين العربية، ويؤكد أن الملكة لا تربى من خلال نصوص تحفظ دون فهم،"فالملكة لاتحصل من الحفظ دون الفهم".
لا قيمة لقواعد الإعراب وحدها:
إذن فتربية الملكة لا يتوقف على حفظ القواعد ومعرفة الإعراب وأواخر الكلم. فابن خلدون نفسه يقرر أن الإعراب قد فقد من اللغة العربية في عهده. وأن فقدان