حديثه عن المعاني النحوية التي هي الأساس في تشكيل النَّظْم. فهو يرى أن النظم إنما يكون بمراعاة المعاني النحوية للكلمات وموافقتها للمعاني النفسية. فالمقصود بالمعنى النحوي هو الدور الذي تؤديه الكلمة في التركيب، واختلاف هذا الدور للكلمة الواحدة باختلاف التراكيب التي توضع فيها هذه الكلمة.
إذن فالكلمة الواحدة تكتسب معاني كثيرة بحسب المكانة التي تأخذها في التراكيب، فإن جاءت فاعلًا يكون لها معنى، وإن جاءت مفعولا يكون لها معنى آخر، وإن جاءت ظرفًا يكون لها معنى ثالث، وإن جاءت حالًا، أو تمييزًا، أو مضافًا إليه، أو مبتدأ، أو خبرًا، أو اسما لإن أو خبرًا لكان ... الخ فإنها تعبر عن معان مختلفة. وأحيانا تأتي نفس الكلمة مصاغة في صيغة معينة، كصيغة المبالغة، أو اسم الفاعل، أو الصفة المشبهة، أو اسم المفعول؛ فيختلف المعنى النحوي لها في كل حالة. وكذلك الأمر إذا جاءت على وزن فعَل بفتح العين فإنها تختلف عنها هي نفسها إذا جاءت على وزن فعُل بضم العين .. وهكذا وهلم جرًا.
والجدير بالملاحظة هنا أن اختلاف وضع الكلمة في التركيب يولد معاني نحوية كثيرة. والعربية هنا من أغنى لغات العالم. لكن الأجدر بالملاحظة هنا أيضًا هو أن إدراك الفوارق الدقيقة التي يحدثها تغيير مكانة كل كلمة في الجملة، وإدراك الوضع المناسب للكلمة بحيث تغطي المعنى النفسي المطلوب، هو الذي يحقق معنى النَّظْم، وهو سر البلاغة في القول البليغ.
وقد عبر الإمام عبد القاهر عن هذا"التوليد النحوي"الذي يحدث نتيجة الوضع الدقيق للكلمة في الجملة أو العبارة، وقد أعطى مثالًا لذلك بقوله:"فلينظر في الخبر إلى الوجوه التي تراها في قولك زيد منطلق، وزيد ينطلق، وينطلق زيد، ومنطلق زيد، وزيد المنطلق، وزيد هو المنطلق ... ولننظر في الشرط والجزاء إلى الوجوه التي تراها في قولك إن تخرج أخرج، وإن خرجتَ خرجتُ، وإن تخرج فأنا خارج، وأنا خارج إن خرجت، وأنا إن خرجت خارج. كما يمكن النظر في الحال إلى الوجوه التي تراها في قولك: جاءني زيد مسرعًا، وجاءني يسرع، وجاءني وهو مسرع، وجاءني وقد أسرع (17) وهكذا يتم توليد المعاني النحوية الكثيرة من ألفاظ"