وأَنَّ الدِّماءَ الَّتي طَلَّها ... مُدِلٌّ بشُرْطَتهِ مُعْرِمُ
َتنضَّحُ مِنْ صَدْرِكَ المُسْتَطابِ ... نَزيفًا إِلى الله يستظِلمُ
سَتَبْقى طَوِيلًا تَجرُّ الِدِّماءَ ... ولن يُبْرِدَ الدّمَ إِلاّ الدَّمُ
وأَنَّ الصُّدورَ الَّتي فَلّها ... وأبدعَ! في فَلِّها مُجْرِمُ
ونَثَّرَ أَضْلاعَها نَثْرَةً ... شَتاتًا كما صُرِّفَ الدِّرْهَمُ
سَتَحْضُنُها مِنْ صُدُورِ الشَّبابِ ... قُساةٌ على الحَقِّ لا تَرْحَمُ
فَشَغَلَتْ الجُمَلة الفِعْليّة في هذا الجُزْء مِنْ القصيدة وظائف نَحْوِيَّة عِدَّة، فجاءَتْ صِلَةَ المَوْصوُل (الَّتي طلها، الَّتي فلّها) أو جملة نعتية كما في (يستظلم) و (لا ترحم) أو جملة حالية كما في (تجر الدماء) أو خبر (أن) كما في (ستبقى) و (ستحضنها) ومعطوفة كما في (وأَبْدَعَ في فَلّها) و (نَثَّر أَضْلاعَها) واستعملها مَنْفِيَّة كما في (ولَنْ يُبْرِدَ الدَّمَ إلاّ الدَّمُ) و (لا تَرْحَمُ) .
إِنَّ هذا التَّوظِيف للجملة الفِعْلية وفي سِتَّة أَبْياتٍ يجعل النَّصِّ يَتَّصِفُ بِحَيَويّة أكبر ولا يقتصر ذلِكَ على هذا المقطع مِن القصيدة وزيادة على ذلِكَ إختار الشَّاعر صورة الخَبَر أو النَّعْت أو الحال جُمْلَة فِعْلِيّة مُؤْثِرًا إيّاها على سواها مِنْ صور الاستعمال حِيْنَما تكونُ مُفْرَدَةً أو جملةً اسميَّةً أو شِبْه جُمْلة.
إِنَّ الخَبَر والنَّعْتَ أو الحال وهي بصُورة الجُمْلة الفِعْليّة تُسْهِمُ في خَلْقِ صُوْرَة حَيَّة قادرة على الإيحاء فَعَلى الرَّغم مِنْ عَدّ النُّحاةِ النَّعْت -مَثَلًا- جُزْءًا مُكَمِّلًا للجملة أو تابعًا لها فهو يمتلك دَوْرًا فعّالًا في الخطاب الشِّعري إذْ ينقل الفِكْرَة الَّتي يريُد الشَّاعر توصيِلَها عَبْرَ التَّصوير الَّذي يَتَحقَّقُ بِجُمْلَة فْعِلية تَتَميَّزُ بالحَرَكَة والبَُعْدِ عن الرَّتابة والسُّكُون.