ويُمْعِنُ الشَّاعر في الاعتداد بالنَّمَط الفِعْلي فلا يكتفي به مُؤَسِّسًا لِصَدْر البيت بل يُؤَسَّس به العَجُزَ كذلِكَ فقالَ في القَصيدة نَفْسِها [1] :
أََخِي جَعْفَرًا إِنَّ عِلْمَ اليَقين ... أُنبيِّك إِنْ كُنْتَ تَسْتَعْلِمُ
صُرِعْتَ فحامَتْ عَلَيْكَ القُلُوب ... وخَفَّ لَكَ الملأُ الأَعْظَمُ
وسُدَّ الرُّواقُ فلا مَخْرَجٌ ... وضاقَ الطَّريقُ فلا مَخْرَمُ
وأبلغَ عنكَ الجَنُوبُ الشَّمالَ ... وعَزّى بِكَ المُعْرِقَ المُشْئِمُ
وشَقَّ على"الهاتِفِ"الهاتِفُونَ ... وَضَجَّ مِن الأَسْطُرِ المِرْقَمُ
تَعَلَّمْتَ كَيْفَ تموتُ الرِّجالُ ... وكَيْفَ يُقامُ لَهُمْ مَأْتَمُ
وكيف تُجَرُّ إليْكَ الجموعُ ... كما اِنجَرَّ للحَرَمِ المُحْرِمُ
فقد حَشَدَ الشَّاعر جُمَلًا فِعْليِّة عديدةً في الصَّدْر والعجز وجاءَت قافِيةُ القَصيدة في ضِمْنِ سَبْعَةٍ وأَرْبعينَ فِعْلًا وذلِكَ يبَيَّنَ أَنَّ الشَّاعر مُوْلَعٌ بالفِعْل وَلَعًا شَديدًا بسبب طبيعته الحادة مِنْ جهة وجسامة الحدث وعُظْم المَوْقف الَّذي شَهِدَهُ إِبّانَ معركة الجِسْر عام 1948 لذلِكَ كانت غزارة النَّمَط الفِعْلي تنسجِمُ مع حالة الغليان والغَضَب العارم الذي رافق أحداث تلك المعركة وَقَدْ كان الشَّاعر في مَعْرِض رِثاء أَخيه الشَّهيد لكِنَّه استَغَلَّ المُناسبة ليحِّولَها إلى دَعْوَةٍ للثَّوْرَة وتحريض الشعب للانقضاض على السُّلْطة ولا شَكَّ في أَنَّه وَجَدَ في الفِعْل طاقَةً إِضافيِّة تُعَبِّرُ عَمّا يَجيِشُ في نَفْسِهِ ومِنْاسبة لِرَفْع القصيدة إلى مستوى المَلْحَمة.
(1) الديوان: 3/ 263.