ويبرز الفِعْل في قصيدة"دَمُ الشَّهيد" [1] بروزًا واضحًا ليكونَ أساسًا في بِناء جُمَلِ الشَّاعر سواء أجاءَتْ عَنْ طريق الأَمرْ أم النَّهْي أَم استعمال الماضي ولا يترك الفِعْل حتَّايعودَ إليهِ ثانِيةً فقال:
فلَيْتَ الحزنَ تُطبِقُ فَوْقَ سالٍ ... سحابتُه وتأبى الانقشاعا
ولَيْتَ الليلَ يغمرُه دُخانًا ... ولَيْتَ الصُّبْحَ يُمطرُهُ التِياعا
ولَيْتَ مُنىً يراوِدُها فِجارًا ... تُعاوِده لتَنْهَشَهُ ضِباعا
ولَيْتَ ضميرَه يَثِبُ افتزاعًا ... مِنَ الذِّكرى وينتفِضُ التذاعا
ولَيْتَ العارَ يَبْرَحُ مستضيفًا ... سريرَتهُ اصطيافًا وارتِباعا
ولَيْتَ أَمامَ عينيه احتراقًا ... جرى كالشَّمْع حاضرُه وماعا
ولَيْتَ خيالَ ماضيهِ مَسِيْخًا! ... يلوحُ على ملامِحِه انْطِباعا
إِنَّ التَّماثُل في بناء الجُمَلة في سَبْعَة أَبياتٍ مُتَّصِلة يخلُقُ نوعًا مِنَ السأم عند المُتَلَقِّي غير أَنَّ الشَّاعر لَجَأ إلى جَعْل خبر لَيْتَ جملة فعلية ليخلق صورًا شعريّة متنَوِّعة تَشُعُّ مِنْها الحركة فلا تأتي صورُه جامدَةً بل مليئَة بالحَياة والإيْحاء فيكُونُ الشَّاعر أشدَّ نفاذًا وتأثيرًا في السَّامع أو المُتَلقِّي وَقَدْ قَضى على الرَّتابة إلى حَدٍّ ما باللِّجوء إلى عُنْصُرِ التَّقديم والتَّأخِير الذي كَسَرَ به تلك الرَّتابة فباعَدَ بَيْنَ الفِعْل والفاعل بالظَّرف في قوله:
تُطْبِقُ فَوْقَ سالٍ سحابَتُهُ
أَو بَيْنَ اسم لَيْتَ وخبرها بجملة نَعْتيِِّة فقال:
ولَيْتَ مُنىً يراودها فجارًا تعاوِدُهُ
أو يباعد بَيْنَ لَيْتَ واسمها بالظرف:
ولَيْتَ أَمامَ عينيهِ احتراقًا
إِنَّ الجواهري يعتمد على تنويع الأساليب مِن النِّداءإلى الأمر أو التَّمنِّي ليستفيدَ مِنْ إمكانيات لُغَوِيَّة عديدة يقوم فيها النَّمَط الفِعْلي في بناء الجُملة بِمَهَّمة العمود الفقري في القصيدة بأَسْرِها.
(1) الديوان: 3/ 291.