يُعَدُّ الاقتراضُ مِنَ اللَّهَجات وَسِيلَةً مِنْ وسائل صَوْغ الكَلِمات [1] وَقَدْ عَمَدَ الجواهري في أكْثَر مِنْ قصيدةٍ إلى الاستِفادةِ مِنْ بَعْضِ الأَلْفاظ الَّتي تَعِيشُ في اللَّهجاتِ المُعاصِرَة، ومُعْظَمِ هذِهِ الأَلْفاظ يَمْتَلِكُ أُصُولًا فصيحةً وبقيَ حَيًّا في الإستعمال اليومي لهذِهِ اللَّهْجة، وبذلِكَ أَضافَ إلى رَصيدهِ اللُّغوي رافِدًا جديدًا فيه مِنَ الطَّرافَة والجِدَّة والإثارة والإِيحاء ما يجعلُ الشَّاعر على وَعْيٍ بصنيعه، فهو يَقترِضُ مِنْها لأَنها أكْثَر إيحاءً مِنْ غيرِها مِنَ الأَلْفاظ الفصيحة وذلِكَ لأَنَّها تثيرُ تداعياتٍ كَثيرةً في ذِهْنِ المُتَلَقِّي لِطُولِ مصاحَبَتِهِ لَها.
إِنَّ شاعِرَنا لا يقيمُ اعتبارًا لنواميس اللُّغَة كُلّها فلا يَتَحَرَّجُ مِنْ أَيِّ استعمال يَجِدُ فيه طرافَةً أكْثَر فاللُّغَة مُلْكُهُ الخاصُّ، به يَسْتَطيع فِعْلَ ما يشاء ومَيْلُهُ إلى الاقتراض يُعَدُّ ضَرْبًا مِنْ ضُرُوبِ شَجاعَتِهِ وجُرْأَتِهِ اللُّغويّة.
إِنَّ الصِّلَة الحَمِيمة بَيْنَ اللَّهجات المُعاصِرَة والعَرَبِيَّة الفُصْحى تَظْهَرُ مِنْ خلال إحتفاظ اللَّهجات بالعديد مِنَ المُفرَدات الفَصيحة مِمّا يَجْعَلُها في نَظَرِ غير المُخْتَصِّين ألفاظًا مِنْ مستوى أَدْنى لكِنَّ الحَقيقة تُفْصِحُ عَنْ أَنَّ اختلاف مستويات اللُّغَة لا يمْنَع مِنْ وجود وشائِجَ بَيْنَها ولا سِيَّما في مجال المُفرَدات.
إِنَّ الاستعانَةَ بالأَلْفاظ الدّارجة لا يُشَكِّل عَيْبًا على الشَّاعر لأَنَّه يُدْرِكُ أكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ ما تَحْمِلُهُ هذِهِ اللَّفْظَة مِنْ قُدْرَةٍ على الإيحاء والإثارة لِكَوْنِها تعيشُ في الاستعمال اليَوْمِي فَتَتَوَلَّد مِنْها دَلالاتٌ مَجازِيَّةٌ جَديدةٌ تُبْعِدُها عن الأَصْل الذي وَرَدَتْ فيه.
ومِن الأَلْفاظ العامِيَّة المُوْحِيَة الَّتي اقترضها الشَّاعر مِنَ اللَّهجة المُعاصِرَة لَفْظُ (طَرْطَرا) [2] الَّتي تَعْني مَعاني عِدَّة مِنْها: غياب السُّلْطة أو الفَوْضى واختلاف المعايير وضَياع الحَقّ وغيرِها لِكَوْنِها مَشْحُوْنَةً بهذِهِ المعاني ولا يوجدُ ما يقابِلُ طاقتَها في العربيّة الفُصْحى عَمَدَ إلى استعمالها واشتِقاق فِعْلِ أِمْرٍ مِنْها، ونظرًا لِمَوْضوعِ
(1) دور الكُلّمة في اللُّغَة، أولمان: 158.
(2) الديوان: 3/ 121.